ابن سبعين
354
رسائل ابن سبعين
يُرْسِلَ رَسُولًا [ الشورى : 51 ] . فترى من يكلم على الوجه الذي منع منه ؛ لأنه كان يلزم التسلسل . وأيضا ذلك الرسول أو الرسل هم في تلك المرتبة النظرة بذلك الوجه . واعلم أن هذا للوجه منه تعين الإحاطة ، وإن كان القول عليها ، وعليه يقرب مفهومه ، وبه يبصر الحق ، وبه يكلم من حيث يسمع ، وبه تتشكل المظاهر ، ويصح الكون الكلي ، وتترتب العوالم « 1 » ، وتتبين الصورة ، ويظهر تمويه المألوفات ، وتفتضح الذوات العزيزة كلها ، وهو الذي يلزم في كل متوجّه وحيثما يولى وجهة الصديق تجده حتى في عوالمه المبهمة الكامنة التي لا يكشفها الأحد إلا للمتوحد الذي جاوز الحدّ ، وطلع على المطلع بعد ما اطلع عليه ، ولا ينبغي لمن يسمع هذا كله أن يسمعه بإذنه أعني : بالأذن المعقولة فقط ، بل يسمعها باللّه بعد الاتصاف بنوافله أعني : بسنة نفسه المبعوثة في الخلد المنبعثة عنه ، وما زال أمره يشتد ، وشأنه يعظم حتى تولاه اللّه بعد ذلك الوجه الوجيه بالذي تجلى لأبى بكر خاصة ، أعني : أجل تلك المرتبة . ولمّا تعيّن ذلك كله صحّ عنده أن لها من الأحكام ما ينبغي أن يشتغل بها ، ويمتثل فالتزمها ، وأخذ نفسه بها ، وزاد أمره ، ولم يقتنع حتى علم الربوبية القائمة الواحدة ، وبقي عليه نورها . ثم اشتد حاله عند ذلك لضيقه عنها ، ولمّا وحد منها ، وانقطع فيها قصده ، وبقي عبده الأول ربه الآخر ، ثم اشتكل الأمر عليه من جهة الوجود به لا من جميع الشبه ، وما كان به قبل حتى رحم اللّه بيّنته التالية فيه ، وصحح أسراره الجامعة ، والتزم عبوديته القائمة عليه ، وأخذ نفسه بالأدب مع الذي لا تسعه القضايا ، ولا تصطاد هوية مظهره العلوي الحكيم ، وآمن بعز اللّه العظيم ، وهوّن أخباره فيه ، وغلبت وحدته واحده تحقق عند ذلك أن
--> ( 1 ) قال سيدي ابن ناصر الكيلاني : العالم مأخوذ من العلامة ، وهو عبارة عن كل ما سوى اللّه ، والعوالم كثيرة جدا ، وأمهاتها هي الحضرات الوجوديّة ، وأول العوالم المتعيّنة من العماء عالم المثال المطلق ، ثم عالم الرسم ، ثم عالم القلم واللوح ، ثم عالم الطبيعة من حيث ظهور حكمها في الأجسام تحقيقي الهيولى ، والجسم الكل ، ثم العرش ، ثم هكذا على الترتيب إلى أن ينتهي الأمر إلى الإنسان في عالم الدنيا ، ثم عالم البرزخ ، ثم عالم الحشر ، ثم عالم جهنم ، ثم عالم الجنان ، ثم عالم الكثيب ، ثم حضرة أحديّة الجمع والوجود الذي هو ينبوع جميع العوالم كلها ، هكذا كاشفه صاحب الكشف الأتم ، فافهم واللّه الهادي والمفهم . وانظر : مجمع البحرين شرح الفصين ( بتحقيقنا ) .