ابن سبعين
351
رسائل ابن سبعين
--> لأنه كان ضريرا : بلغنا عنك أنك تقول : أنا حجّة اللّه على الخلق ، وأنا حجّة اللّه على أولياء زماني ، فبماذا صرت ، هل أنت نبيّ أو صدّيق ؟ فقال رضي اللّه عنه : لم أذهب حيث ظننت ، ولست أنا نبيّا ، إنما قلت هذا ؛ لأنني صححت أكل الحلال دون غيري . فقال له : وأنت صححت الحلال . فقال رضي اللّه عنه : نعم ، لا آكل دائما إلا حلالا . فقال له الزبيري : وكيف ذلك ؟ فقال له رضي اللّه عنه : قسّمت عقلي وقوتي ومعرفتي على سبعة أجزاء ، فأترك الأكل حتى يذهب منها ستة أجزاء ، ويبقى جزء واحد ، فإذا خفت أن يذهب ذلك الجزء وتتلف معه نفسي أكلت بقدر البلغة ؛ خوفا أن أكون أعنت على نفسي ؛ ولترد علي الستة الأخرى ، فبهذا صحّ لي الحلال . فقال الزبيري : نحن لا نقدر على المداومة على هذا ، ولا نعرف أن نقسّم عقولنا ومعرفتنا وقوتنا على سبعة أجزاء ، واعترف بفضل سيدنا سهل رضي اللّه عنه . ومن كلامه رضي اللّه عنه : من لم يكن مطعمه من الحلال لم يكشف عن قلبه حجاب ، وتسارعت إليه العقبات ، ولا تنفعه صلاته ولا صومه . وقال : أصول طريقنا سبعة : التمسك بالكتاب والسنة ، وأكل الحلال ، وكف الأذى ، وتجنب المعاصي ، والتوبة ، وأداء الحقوق . وقال : العيش أربعة : عيش الملائكة بالطاعة ، والأنبياء في العلم وانتظار الوحي ، والصديقين في الاقتداء ، وسائر الناس في الأكل والشرب كالبهائم . وقال : الدنيا حرام على صفوة الخلق ، لا يتناولون فيها إلا بقدر الضرورة . وقال : السرور باللّه هو السرور ، والسرور بغيره هو الغرور . وقال : العلوم ثلاثة : علم ظاهر يبذل لأهل الظاهر ، وعلم باطن لا يظهر إلا لأهله خوف الفتنة ، وعلم بين العبد والربّ يستحيل إظهاره لأحد من الخلق . وسئل عن الاسم الأعظم ، فقال : أروني الأصغر أريكم الأعظم ، أسماء اللّه كلها عظيمة ، صدق ؛ وخذ أيّ اسم شئت يفعل معك . وقال : إن اللّه حجب عقول الخلق بحجب لطيفة ، فحجب العلماء عنه بالعلم ، والزهّاد بالعمل ، والحكماء بلطائف الحكمة ، أما العارفون فأسكن قلوبهم من نور معرفته ، فلم يحجبهم بشيء . وسئل رضي اللّه عنه عن ذات اللّه عز وجلّ فقال : ذات موصوفة بالعلم ، غير مدركة بالإحاطة ، ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا ، وهي موجودة بحقائق الإيمان من غير حدّ ولا حلول ، وقد حجب سبحانه وتعالى الخلق عن معرفة كنه ذاته ، ودلّهم عليه بآياته ، فالقلوب تعرفه والأبصار لا تدركه ، ينظر إليه المؤمنون من غير إحاطة ولا إدراك نهاية ، وله رضي اللّه عنه ذكر عظيم الشأن ، جرّبه أهل العرفان . وقال عنه شيخنا ابن العربي رضي اللّه عنه : دخلت به الخلوة ، ففتح لي به في ليلة واحدة ، وفيه أسرار عجيبة وأذواق غريبة ، ومن أكثر ذكره حبّبت إليه الطاعات ، وبغّضت إليه المنكرات ، ومن ذكره سبع مرات وهو في فراشه وجد له حلاوة في سرّه ، وهذا الذكر هو : ( اللّه معي ، اللّه ناظر إليّ ، اللّه