ابن سبعين

30

رسائل ابن سبعين

باللّه ، أو العارفين باللّه ، قال تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ يونس : 62 ] ، فما عاديت في الحقيقة إلا ما نسب للّه ؛ فانتبه من رقدتك . واعلم أني ما ذكرت لك تلك المقدمة في هذا الموضع إعلاما منّي بأن واحدا من العلماء باللّه يقول بالحلول أو الاتحاد معاذ اللّه ، ولكن لأوضح لك حقيقة الخلاف ، واللّه يتولى هداك وهو حسبنا ونعم الوكيل . وإليك نصوص ما ذكره ساداتنا العلماء باللّه في نفيهم للحلول والاتحاد المتوهّم في حقهم الشريف فأقول وباللّه التوفيق : قال سيدنا في « الفتوحات » في باب الأسرار : من قال بالحلول فهو معلول ؛ فإن القول بالحلول مرض لا يزول ، ومن فضل بينك وبينه فقد أثبت عينك وعينه ، ألا ترى قوله : « كنت سمعه الذي يسمع به » ، أثبتك بإعادة الضمير إليك ليدلك عليك ، وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد ، كما أن القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول فإنه أثبتك حالا ومحلا ، فمن فصل نفسه عن الحق فنعم ما فعل . وقال في باب الأسرار أيضا : الحادث لا يخلو عن الحوادث ، لو حلّ بالحادث القديم لصحّ قول أهل التجسيم ، فالقديم لا يحلّ ولا يكون محلا ، ومن ادعى الوصل فهو في عين الفصل اه . وقال في هذا الباب أيضا : أنت أنت ، وهو هو ، فإيّاك أن تقول كما قال العاشق : « أنا من أهوى ومن أهوى أنا » ، فهل قدر هذا أن يرد العين واحدة ؟ لا واللّه ما استطاع فإنه جهل ، والجهل لا يتعقل حقّا ، ولا بدّ لكل أحد من غطاء ينكشف عند لقاء اللّه . وقال في الباب التاسع والخمسين وخمسمائة بعد كلام طويل : وهذا يدلك على أن العالم ما هو عين الحق ، ولا حلّ فيه الحق ؛ إذ لو كان عين الحق أو حلّ فيه لما كان تعالى قديما ولا بديعا انتهى . وقال في الباب الثاني والتسعين ومائتين : من أعظم دليل على نفي القول بالحلول والاتحاد أنك تدرك عقلا أن الشمس هي التي أفاضت على القمر النور ، وأن القمر ليس من نور الشمس شيئا مشهودا ؛ لأنها لم تنتقل إليه بذاتها ، وإنما القمر مجلى لها ، فكذلك العبد ليس فيه شيء من خالقه ، ولا حلّ فيه اه . وقال في الباب الرابع عشر وثلاثمائة : لو صحّ أن يرقى الإنسان عن إنسانيته والملك عن ملكيته ويتحد بخالقه تعالى لصحّ انقلاب الحقائق ، وخرج الإله عن كونه إلها ، وصار