ابن سبعين

22

رسائل ابن سبعين

تجليه عليه أولا بأنوار الإيجاد ، وتوجهه إليه ثانيا بما يقوم به ، ويدوم به وجوده من أنواع الإمداد ، فلم يكن وجوده لنفسه وذاته حتى يعد وجودا مستقلا ، وإنما كان وجوده تعالى ، وبظهور هذا الوجود في الأشياء ظهرت ، وبإشراق شعاعه عليها أشرقت على حسب ما تقتضيه طبائعها وقابليتها ، واستعداداتها الثابتة في العلم ، ثم قال في الحكم : فمن رأى الكون ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده أعوزه وجود الأنوار ، وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار ، يعني : أن من نظر إلى الكون ، ولم يشهد الحق تعالى ببصيرته فيه ، أو عنده أو معه كما هو حال أهل التوسط الذين يرون اللّه في الأشياء ، أو عندها أو معها ويقولون : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه فيه أو عنده أو معه أو يشهده قبله ، كما هو حال أهل الشهود والعيان الذين يرون الأشياء باللّه ، ويقولون : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله أو يشهده بعده ، كما هو حال أهل الدليل والبرهان الذين يرون اللّه بالأشياء ، ويقولون : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه بعده ، كان معدودا من أهل الظلام ، محجوبا عن اللّه تعالى بسحب الكون أو الجهل والغفلة والآثام ، ومن شهده في كل شيء أو عنده أو معه أو قبله أو بعده أو فيه ، وعنده ومعه وقبله وبعده كان من أهل الأنوار ، وممن لم تنحجب عنهم شموس المعرفة بسحب الآثار ، ومن زال عنه الوهم والعناء ، وكان في مقام المحو والفناء ، وغلب عليه شهود الوجود الحق الحقيقي ، الذي به كل شيء موجود يرى اللّه وحده ، ولذا ينفي ما عداه ، ولا يثبت شيئا سواه ، ويقول : ما رأيت شيئا سوى اللّه . ومن قول بعضهم : ما في الدار غيره ديار ، وقول آخر : سوى اللّه واللّه ما في الوجود ويقول عما سواه أنه ظل ، وأنه خيال ، وأنه سراب ، وأنه هالك ، وأنه مضمحل زائل أو لا وجود له أصلا ، وهو صادق في ذلك كله ؛ لأن وجود ما سوى الحق إنما هو بالفرض والتقدير ، أو الوهم والتخييل ، والوجود الحق الحقيقي إنما هو وجوده تعالى ، ووجود ما عداه بوجوده لا بوجود آخر ، مما عداه ليس له من نفسه وجود أصلا ، فهو بالنظر إلى نفسه عدم صرف ، وبالنظر إلى إشراق شعاع الوجود المطلق عليه كالظل له تابع له ، والتحقيق بهذا المعنى هو زبدة التوحيد ، وعمدة أهل التفريد ، وفي ذلك يقول قائلهم : اللّه قل وذر الوجود وما حوى * إن كنت مرتادا بلوغ الكمال فالكل دون اللّه إن حققته * عدم على التفصيل والإجمال واعلم بأنك والعوالم كلها * لولاه في محو وفي اضمحلال من لا وجود لذاته من ذاته * فوجوده لولاه عين محال