ابن سبعين

111

رسائل ابن سبعين

غيرها . وأسماء الأفعال جعلها غيرا محضا ، ويقطع الخصم المعطل بدليل افتقار الفعل المحدث إلى محدثه ، ويقصم ظهر المشبّهة بصفات القدم وما يليق . وبالجملة : يعرف خواص المحدث وصفاته ، وصفات القديم الذي يجب أن تنسب لذاته ، وانحصر مذهبه في ميز الذوات وتقابل الجائزات وتعلق الصفات ، وهذا الكمال الذي وصفت في الفقيه والأشعري إنما هو بحسب ما يلزم من قوة مذاهبهم ، وما يلزم من مبادئ قوانينهم وغاياتهم ، وقد تقدم القول بأن الكمال هو الوصول إلى غاية ما لا تمكن الزيادة عليها في تفسير ذلك المذهب ، أو تلك الصناعة ، فاحتجت أن اذكر غايات مذاهبهم التي لا يمكن الزيادة عليها في صنائعهم . وأما الكمال الإنساني فلم يتعرضوا إليه ، ولا يمكن قوانينهم أن تفيده ، ولا يتوصل بها إليه ، والدليل على ذلك أن الفقيه يزعم إن المرتبة الشريفة هي الأعمال فقط ، ولا يتعرض لثمرة الأعمال ، ولا يسلم تحصيلها إلا بعد الموت ، وسعادة الإنسان عنده محتملة النقيض ، ولا يبحث عن الحقائق ولا يتوجه إليها ، ويزعم أن السعيد من المؤمنين ، ولا يتعين مقامه إلا بعد الموت ، ولا يعلم مقاما إلا محسوسا ، ولا جنة إلا محسوسة ، ولا لذة إلا طبيعية ، ورؤية الحق تعالى مجهولة الكيف عنده ، وهو واقف مع الأمور المقبولة ، ونفسه مجهولة الماهية ، فلا كمال فيما ذكرناه ، ولا خلاص ولا حرية . وهأنا نذكر اعتقاد من تكلم في الكمال وعمل عليه ، وتكلم في النفس ، وبحث عنها ، وتكلم في الحقائق ، وتوجه إليها ، ويظهر لك بذلك عدم الكمال عند من ذكرناه فنقول : مقصود العقلاء هو السعادة ، والسعادة : هي النعيم الدائم الذي يستصحب ماهية السعيد ولا يفارقها ، ولا يمكن فيه الفقد ، ولا يتشوق الإنسان بعد تحصيلها إلى نعيم خارج جوهره ، ولا يطلب خيرا غير الذي قام به ، ويرتفع من محله خير الطلب ، والتشوق إلى غيره إذ لو بقيت عليه بقية يطلبها ، ويتشوق إليها ، ولذة يستدعيها ، ويتقدر عليه وجودها ، أو يبقى في ماهية احتمال تحصيلها ، أو ضده لم يكن سعيدا ، ولا منعما في ذلك الحال ، إذ هو يستدعي لذات لم ينلها ، ولا قامت بمحله ، وهو ليس بكامل إذ هو يستدعي الزيادة . ومن افتقر إلى الزيادة فهو في النقصان ، فصح بهذا النظر أن الكمال هو تحصيل الغاية التي لا يقدر بعدها شيء يطلب ، وينقطع عندها كل مطلب ، ولا يوجد شيء خارج عنها ، ويذهب من جوهر الظافر بها كل أمل ، وترتفع أخبار الإضافة ، ويسقط التعليل هناك ، ويضمحل النقصان والعلل ، وتقع السكينة والغبطة والرضوان ، فيكون الكامل مقيما في جنة حضرته التي لا يشذ عنها شيء ، ولا يقدر فيه أنه يفقد ما هو عليه ولا يظفر بكمال