ابن سبعين
101
رسائل ابن سبعين
ومعنى ( لا سمح ) ؛ لا يمكن ثبوتها ، إذ هي من صفة نفسها تقتضي الذهاب ، وصفات الأنفس لا تفعل ، ولا تتبدل ، فقوله رضي اللّه عنه : ( لا سمح ) ؛ معناه لا يمكن ثبوتها ، أعني : الأحوال فإنها ذاهبة في طبيعتها ، وصفة نفسها ، وهي موجودة من حيث خلق الفاعل لها . فأحوال العبد تجدد في كل زمان فرد ، ولا يعتبر فيها إلا الحال الحاضر ، إذ الماضي قد انقرض ، والآتي ليس بحاصل عنده ، فعمره هو زمان فرد ، وهو أقل الأشياء ، وقد ضرب اللّه تعالى المثل في قوله : وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى [ النجم : 34 ] ، فلا عمر لك إلا الحال التي أنت فيها ، فلا تغتر بها ؛ فتنقطع عن التعميم المطلق ؛ ولذلك عملت الصوفية على حفظ الوقت ، وأضربت عن الماضي والمستقبل . ولمّا علم الصوفي إن ما [ . . . . « 1 » ] ، ولا ملك إلا الوقت القائم به أخذ نفسه بمراعاته وحفظه ، ولم يصرفه إلا في فرضات اللّه ، وهو عندهم الضيف الذي يكرمه بالحفظ والكلاءة . وقد قيل : إن رجلا راهبا سأل سليمان عليه السّلام : هل تجد لذة لما ذهب من ملكك ؟ قال : لا ؛ لأنه قد انقرض . قال : هل تجد لذة للآتي ؟ قال : لا ؛ لأنه غير حاصل . قال له : فإذا ما فدتني بشيء . وذلك لضيق الزمان الفرد وقلته ، ولقوة تداخل العدم معه ، فكأنه عدم لسرعة ذهابه وتبدله ، وهو الوقت عند الصوفية « 2 » ، وهو السراب عند بعضهم الذي لا حقيقة له إلا
--> ( 1 ) كلمة مطموسة بالأصل . ( 2 ) قال الشيخ القاشاني : الوقت : عبارة عن حالك ، وهو ما يقتضيه استعدادك الغير مجهول ، في زمن الحال الذي لا تعلق له بالماضي والمستقبل فلا يظهر فيك من شؤون الحق الذي هو عليها ، في الآن ، إلا بما تطلبه استعدادا ، فالحكم للاستعداد وشأن الحق محكوم عليه . هذا هو مذهب التحقيق ، فظهور الحق في الأعيان بحسب ما يعطيه استعدادها ، فلذلك ينبوع فيها فيض وجود الحق ، وهو في نفسه على وحدته الذاتية ، وإطلاقه وتجرده ، وتقدسه غني عن العالمين ، فالوقت هو الحاكم والسلطان ، فإنه يحكم على العبد فيمضه على ما يقتضيه استعدادا ، ويحكم على الحق بإفاضة ما سأله العبد منه بلسان استعداده في زمن الحال ، إذ من شأن الجواد التزام توفية استحقاق الاستعدادات كما ، ينبغي ، وفي قوله تعالى : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [ القصص : 68 ] . تأييد لهذا التحقيق إن كانت « ما » موصولة في موضوع النصب على أنه مفعول مختار ، ومن كان يحسب ما خاطبه به الشرع في كل حال ، فهو في الحقيقة صاحب وقته ، فإنه قام