ابن سبعين
249
بد العارف
[ 80 أ ] هما مرآتا الجسد ، وهما نقطتان من الماء صافيتان محبوستان بين غشاوتين شفافتين فإذا سرى الضوء في الأجسام المشفة ، وحمل معه الألوان للأجسام الحاضرة واتصل بحدقتي أعين الحيوان الباصرة هناك ، وسرى فيه كسريانه في سائر الأجسام المشفة ، انصبغت الحدقة بتلك الألوان كما ينصبغ الهواء بالضياء . وقد اختلف الناس في ادراك القوة الباصرة للمبصرات ، وقالوا انما يكون ذلك بشعاعين من العينين وينفذان في الهواء وفي الأجسام المشفة ويدركان هذه المبصرات . ولا تظن ان الحواس الخمس هي أجزاء من النفس أو تتبعض النفس بها ، أو المدرك من كل واحدة من هذه غير الأخرى ، فهذا لا حقيقة له . والقائل به في غاية الجهل والحرمان واعلم أن كل واحدة من هذه الحواس هي النفس بعينها . فإذا استعملت حاسة السمع قيل لها سامعة ، وإذا استعملت حاسة اللمس قيل فيها اللامسة ، وكذلك سائرها . والقول على هذه الحواس الخمس وعلى القوى الروحانية كذلك ، أعني القوة المفكرة والقوة الذاكرة والخيالية والناطقة وجميع ذلك لها أدوات تتصرف بها في الذي تحتاج اليه . وهذه الحاسة ، حاسة البصر ، لا تدرك الألوان الا بتوسط الهواء ، ولو قدرنا جعول اللون على البصر لما أدركه . ولا يمكن الهواء ان يخدم البصر في ادراكه الا مع الضوء وذلك لأحد أمرين اما لان الألوان في الظلام بالقوة ولا وجود لها أو لان الهواء انما ينقل الألوان بالضوء الذي يكون فيه . والظاهر أن الألوان في الظلام بالقوة لان السحب إذا حالت بيننا وبين الشمس لم نبصر النبات على ما كنا قبل نبصره وظهر لنا فيه من الاختلاف ما لا يمكننا دفعه . وكذلك تأمل الألوان في الظل ولذلك قيل في المضيء هو الذي يفيد الضوء والمستضيء هو الذي فيه الضوء . والضوء هنا هو كمال المستضيء من جهة ما هو مستضيء . وقد يوجد من المبصرات ما لا يقال فيه ان النور أفاده بل هو انفعالات تحدث في العين مثل الذي يحرك ماء البحر في الليل ومثل قشور