ابن سبعين

246

بد العارف

ودام على المطاعم الطيبة والروائح الطيبة حتى تألفها طباعه ويحصل جميع ذلك له صورة مألوفة ينكر الروائح الخبيثة ويستطيب الطيبة ويصلح لون وجهه وذلك لرجوعه لحد الانسانية ومعناها . فالطيب عندنا من الروائح هو المعروف لا غير . وقد يكون الطيب على غير ما ذكرته لك الا انه كما ذكرته وعلى الوجه الذي ذكرته . وكذلك في الأمور الخبيثة على ما هو عليه في الطبيعة فأعلم ذلك . ولما كانت الروائح ابخرة تتخلل من الأجسام المعدنية والنباتية والحيوانية لا غير ، وهذه أجناس مدركاتها كان الحس يتنوع إلى طيب وخبيث وكريه اعني إلى مألوف وغير مألوف . وقد قال بعض الفلاسفة ان البسائط تنحل عنها روائح طيبة وكريهة مثل التراب إذا نزل عليه المطر . وهذا القائل لا عقل له ولا علم إذ هو بحيث لا يفرق بين المركب والبسيط ، فان الأرض الظاهرة لنا مركبة والبسيط مقدر في وسطها ، وانما هو الذي يتحلل منها البخار المختنق فيها الذي تكثف هناك بحسب جوهر تلك الأرض فاعلم ذلك . وقد قال الحكيم « 1 » : الرائحة الطيبة تجد جوهرها بجوهر الروح ويصلح كيفيته فلا يشم أحدكم الا ما يصلح به روحه . وكتب للاسكندر في رسالته المشهورة بالتنبيه المحكم : عليك يا إسكندر بالملبس الحسن والاكل المتوسط والمشموم الطيب . فاللباس الحسن يحفظ بدنك ويزينك ويقيم جاهك . والاكل المعتدل يدبر بدنك وهو الطيب لك . والرائحة الطيبة تقوي نفسك وتشوقك لمعالمك كما يفعل المسموع الحسن . ثم أوصاه بأشياء معروفة في رسالته المذكورة ولا نحتاجها نحن هنا . وهذه الحاسة عليها حجاب لا ينفتح فإذا وقع الاستنشاف انفتح ذلك الحجاب فيتصل الجوهر بالذي فيه الرائحة إلى الحاسة ولذلك متى أراد الذي يشم اتصال وجود الرائحة لم يتنفس دفعة بل يتنفس في زمان طويل أو يجعل التنفس متتابعا . وقد يظهر بهذه الحاسة ان الهواء الذي يصل إليها من المشموم يتكيف بكيفية المشموم ويعطي تلك الحقيقة للهواء الساخن في

--> ( 1 ) - الحكيم هو أرسطو .