ابن سبعين
214
بد العارف
فالنفس ليست عن مزاج وهي جوهر مفارق للمادة موجود في العالم الروحاني . وأيضا الجسم قد علم منه انه يتحرك اما إلى الوسط أو على الوسط واما من الوسط ، كالنار والأرض والفلك . والانسان مجموع من الجسوم التي تتحرك من الوسط إلى الوسط . فلو كانت النفس من امتزاج الطبائع لوجب ان يكون نازلا طالعا في زمان واحد أو هابط إلى مركزه ، ونحن نجده يتحرك [ 66 أ ] الحركات الإرادية ويقسر الجسم عن طبعه . فصح ان ذلك الذي يقسره عن طبعه ويرده عنه شيء ليس بجسم ولا عرض وكذلك محرك الفلك . ولم نجد في عالم الكون من يشبه الفلك غير الحيوان ، لكونه يتحرك بإرادة واختيار . والحركة في المكان تشبه الحركة عن الوسط والكلام عليها والجمع بينها وبين حركة الفلك بطول الكلام عليه وما لنا اليه حاجة هنا فاعلم . وهذا المطلب يا فيلسوف قد تخلص على صناعتك وبحثك ، وهو هل ، وما دخل تحته من الذي شرطناه في أوله . وأنا أتكلم معك بحسب ما فهمت من فهمك وادراكك . وأعطيك إشارة تفهم عزة المقرب على غيره وما هو من المكانة وقد قدمت عندك على أن الذي يرد عليه انما هو من فوق الأفلاك وانما هو من شيء أعلى وأجل . والذي حملني عليه ضرورة ما يأتي بعده . وإذا كانت المقدمة شرطا في برهان ما لا يحرز الحكيم من تطويلها وقلة انطباقها على الذي يفهم من مدلولها أولا ، فان الآخر يخلص معناها ويفسره . وكذلك لما أردت أنا ان أعلمك بحقيقة النفس وتكلمت معك على الوحدة والاضطرار والعدم وغير ذلك ، جاء الكلام غير متناسب وغير منزل عليها إذ البحث بهذه عن معنى آخر وصعب الجمع بين الأول والآخر من ذلك . فاعلم أن المقرب لما كان اعلم أهل الأرض وان الذي يعرف من الأشياء هو الحق الواضح صارت مقدماته