ابن سبعين

184

بد العارف

العامة بالمثل المنزل على المعنى المعقول ، وذلك ان الموت إذا حققته هو كمال النفس السعيدة وولادتها وتركها عمارة البدن فإذا تركته عاد إلى طبعه وهو عدم الحركة الحيوانية . وان تحرك فإنما يتحرك بالعرض على وجه طبيعي . وكونها ترحل عنه دون زمان وتحمل فيه دون زمان وعند تركها له تحل في العالم الا على المفارق للمادة . وهذا مما يعسر على العامة فهمه ضرب لهم بذلك مثلا . فان الطير سريع الحركة وأشد الحيوان الحركة وأخفها وألطفها جوهرا وكأنه يتحرك حول الوسط . ولما ظنهم العامة ان الجنة في السماوات وان الجنة محسوسة لا غير ولا جنة معقولة موجودة الا المحسوسة وقيل لهم ان النفس تصعد لها وشاهدوا الجسوم لا تتحرك ولا لها ذلك فكان الطائر أبلغ مثل في هذه القضية . واستعاذ ( ص ) من عذاب القبر وحذر منه وعظم عذابه فهذا المعذب ما هو إذا قدرناه في قبره ونحن نبصره هل الجسم أو النفس التي لا تحس ولا هي من عالم الحس ؟ فان قلت الجسم غالطت نفسك في الحس وركبت العناد في المحال وافتريت على الرسول في ذلك كله . ولا لمقالك في ذلك حجة الا المغالطة والتلبيس على الضعفاء مثل ان تقول جائز ان يخترع الله سبحانه لأرواحنا أجسادا تقبض فيها . وقد تسمى الأجساد المخترعة لقبض أرواحنا أرواحا مجازا فتنعم تلك الأجساد وتعذب فيخرج التأويل اظلم من ظل الأرض وضد البياض . وقال رسول الله ( ص ) ان المجاهد في سبيل الله إذا استشهد انه لا يموت [ 54 أ ] وانه يأكل ويشرب في الجنة . وأخبر ( ص ) انه تكلم مع آدم ورآه في السماء ولغيره من الأنبياء وأجسادهم في الأرض هيهات ما أبصره الا بنفسه . ولا يعذب الميت كمثل ما يعذب النائم وأنت معه في سرير واحد ولا يأكل الشهيد الا بروحه من فاكهة الأرواح وطرفيها وأجناس خصبها . أما ان للروح من المكانة في الفكر والمرتبة في الهمم ما دعى إلى اختبار النبوة بالسؤال عنه والبحث عن حقيقته . قال لله تعالى : « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ »