ابن سبعين

176

بد العارف

والذي وهب العقل وأنعم به . وإذا حققت هذه الآية ما تجد في القرآن أصغر منها شكلا ولا أكبر معنى ولا اجمع ولا أعم . والمقصود منها وصف الجنسين المفارق كالروح والعقل ، وغير المفارق كالجسم . أضيف الواحد للابعاد والمقدار والآخر للكملة والاقدار والله يخلق من كل زوجين اثنين ما يشاء . والدليل على ذلك ان الله تعالى يقول : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ « 1 » فقد دخل العرض والتصريف في الخلق . وبقي الجنس الآخر وهو الامر ، فان جعلناهما حادثين وهذا كفر وبهتان . وإذا فهمت [ 51 أ ] ما تعطي الآيات بعد هذا والاخبار والآثار والاستلال والنظر ، تعلم أن الامر في ذلك كما ذكرته لك . والكلام إذا بني على مسألة وقسم وطول فيه مفهومه يرجع للمعنى الأول والذي وضع من اجله وشرع فيه ، ويكون برهانه يحصل من المتأخر على المتقدم فافهم ذلك . وقوله تعالى « فَإِذا سَوَّيْتُهُ » الآية أعطاك في مفهوم الخطابة المعنى المقصود . فالتسوية هي الصفة التي يقبل بها القوة الناطقة ، وفصل الانسان من غير الناطق . والخلق هو الجسم الموضوع لذلك ، وهو المراد بقوله تعالى : « إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي » « 2 » . فالظاهر أن التسوية متوسطة بين الجسم والنفخ . وبذلك قال بعض الناس ان النفس الحيوانية موضوع للنفس الناطقة ، والا لأي شيء لم يقبل الحمار ما قبله الانسان . ولنفخ إشارة للجوهر الروحاني وهي الصورة المتقنة المتممة لمعنى الانسانية والمقومة لها وكأنه جعل ذلك بمعنى التشريف والمدح . فإنه جعل الجسم للخلق والنفس للامر . والجسم لما امتد في أقطاره وتناولته الافعال ولم يقبل الا صورة واحدة فإذا أريد لغيرها فسخت الأولى وكان معقول

--> ( 1 ) - سورة . ( 2 ) - سورة 15 ، آية 29 .