ابن سبعين
105
بد العارف
والطول والعرض وما أشبه ذلك . فهذا من الدليل الجلي ومنه ما يلطف ويغمض ، وذلك كعلمنا هل المتحرك متحرك بنفسه قايم ، أو تحرك بحركة هي من غيره . وهل حكم الباني ان يكون مخالفا للبناء والصانع للمصنوع من كل الوجوه أم لا . وهل يجوز أن يكون يشبهه من وجه ما فان هذا يعلم بدليل هو أغمض من الدليل الذي يعلم القسم الأول به ، ثم ترتب الأدلة على حسب هذا ، فمنها ما يظهر ومنها ما يغمض وكلها أدلة الله تعالى على علم ما تعبدنا به وأراد بنا معرفته ، وتوحيده عز وجل وشكره وعدله ومعرفة رسله صلى الله عليهم وسلم أجمعين ، ومعرفة شرائعه وما أتت به الرسل عليهم الصلاة والسلام . والعقل هو الحاكم المميز وهذه الحواس مؤدية اليه ، وطريق إلى معرفة الأشياء وتميزها . والعقل يلتزم الحجة ويلزمها وبعدمه تسقط ، ألا ترى ان المجنون غير مخاطب لعدم عقله ، وبه يفصل بين [ 26 أ ] النبي والمتنبي . واعلم أن الشرع لا يأتي بما هو ممتنع في العقل جواز مجيئه ، فهذا لا يجوز وانما يأتي بما هو واجب فيه فيؤكده . وذلك كشكر المنعم ومعرفته والاقرار باحسانه وعدله ورحمته والامتناع من كفره وجحد نعمته واحسانه فهذا واجب بالعقل . وانما جاء الشرع بتوكيده . وما هو جائز مجيئه في السمع وجائز كان ان لا يأتي به فهو كالصلاة والزكاة والصيام وما أشبه هذه الشرائع التي يجوز اختلافها ونقلها عن ألسن الأنبياء ونسخها ، فذلك جائز ان يأتي بها السمع . فأما التوحيد وما اتصل به فلا يجوز تغيره ولا نسخه ولا ان يبدل في الشرع نبي فلذلك صار واجبا بالعقل وانما السمع يؤكده . فهذه معرفة الطرق إلى الأشياء التي تعلم وتدرك لا تخرج عن هذا وهي الضرورة والحس والخبر والدليل . وأصول العلوم السمعية كتاب الله تعالى ، وسنة نبيه ( ص ) واجماع المسلمين . والالفاظ الدائرة بينهم وهو قولهم في حد العلم تبين الشيء على ما هو به . وحقيقة العالم من له علم ومعنى المعلوم ما علمه العالم بالنظر . ومعنى النظر هو تأمل حال