العز بن عبد السلام
21
زبدة خلاصة التصوف ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز )
أو أكمل منه فهو أفضل منهم . وهذه حال الصحابة رضي الله عنهم وقد روى أن عطاء السليمى رضي الله عنه رؤى بعد موته فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : قال لي : يا عطاء ! أما استحيت منى أن تخافني كل هذا ؟ أما بلغك أنى غفور رحيم ؟ ! . وكذلك ما يذكر عن أمثال هؤلاء من الأحوال من الزهد والورع والعبادة وأمثال ذلك قد ينقل فيها من الزيادة على حال الصحابة رضي الله عنهم وعلى ما سنه الرسول أمور توجب أن يصير الناس طرفين . قوم يذمون هؤلاء وينتقصونهم وربما أسرفوا في ذلك . وقوم يغلون فيهم ويجعلون هذا الطريق من أكمل الطرق وأعلاها . والتحقيق أنهم في هذه العبادات والأحوال مجتهدون كما كان جيرانهم من أهل الكوفة مجتهدين في مسائل القضاء والإمارة ونحو ذلك . والصواب : للمسلم أن يعلم أن خير الكلام كلام الله ، وخير الهدى هدى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وخير القرون الذي بعث فيهم ، وأن أفضل الطرق والسبل إلى الله ما كان عليه هو وأصحابه ، ويعلم من ذلك أن على المؤمنين أن يتقوا الله بحسب اجتهادهم ووسعهم ، كما قال الله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ « 1 » وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » وقال : وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها « 2 » وأن كثيرا من المؤمنين - المتقين أولياء الله - قد لا يحصل لهم من كمال العلم والإيمان ما حصل للصحابة فيتقى الله ما استطاع ويطبعه بحسب اجتهاده فلا بد أن يصدر منه خطأ إما في علومه وأقواله وإما في أعماله وأحواله ،
--> ( 1 ) [ سورة التغابن : آية 16 ] . ( 2 ) [ سورة المؤمنون : آية 62 ] .