محمد بن أبي بكر الرازي
75
حدائق الحقائق
قال الأستاذ أبو علي الدقاق « 1 » رحمة اللّه عليه : الخوف على مراتب : الخوف ، والخشية ، والهيبة . * فالخوف من قضية الإيمان لما يكون من النص . * والخشية من قضية العلم ، لقوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ « 2 » . * والهيبة من قضية المعرفة . وقيل : أول الخوف الوجل ، فإذا قوى صار خوفا . والخوف : فزع تجف له الأعضاء ، فإذا جفّت صار هيبة ، فإذا صحبه العلم ودله « 3 » على الصبر صار خشية . وقيل : الخوف للمذنبين ، والرهبة للعابدين ، والخشية للعالمين ، والوجل للمحبين ، والهيبة للعارفين ، لأنهم لا خوف لهم ، قال اللّه تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ « 4 » . وقال اللّه تعالى : الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ « 5 » . فالعارف له هيبة ودهشة في مقام الجلال وحضرة الكمال ؛ لأنه إذا تجلى الحق في مرآة سريرته لا يبقى فيها « 6 » خوف ولا رجاء ، لأن الخوف والرجاء من آثار الإحساس بالبشرية فعند تلاشى صفاتها يتلاشى الخوف والرجاء . ولهذا قال « الواسطي » « 7 » رحمة اللّه عليه : الخوف حجاب بين اللّه والعبد .
--> ( 1 ) تقدمت ترجمته . ( 2 ) الآية رقم ( 28 ) من سورة فاطر . ( 3 ) في ( ج ) : ( فإذا صحب العلم دل على الصبر ) . ( 4 ) الآية رقم ( 62 ) من سورة يونس . ( 5 ) الآية رقم ( 30 ) من سورة فصّلت . ( 6 ) في ( د ) : ( فيه ) . ( 7 ) ( الواسطي ) هو : أبو بكر الواسطي ، واسمه : محمد بن موسى ، وأصله من فرغانة ، من قدماء أصحاب الجنيد ، وأبى حسين النوري ، لم يتكلم أحد في أصول التصوف مثله ، وكان عالما بالأصول وعلوم الظاهر . كان يقول : « الناس على طبقات ثلاث : الأولى : منّ اللّه عليهم بأنوار الهداية ، فهم معصومون من الكفر والشرك والنفاق ، والطبقة الثانية : منّ اللّه عليهم بأنوار العناية ، فهم معصومون من الصغائر والكبائر ، والطبقة الثالثة : منّ اللّه عليهم بالكفاية ، فهم معصومون عن الخواطر الفاسدة ، وحركات أهل الغفلة » توفى ، رحمه اللّه ، بعد سنة : ( 320 ه ) . انظر ترجمته في : أبو نعيم : حلية الأولياء 10 / 349 ، القشيري : الرسالة ص 32 ، السلمى :