محمد بن أبي بكر الرازي

287

حدائق الحقائق

وقال « فتح الموصلي » « 1 » : صحبت ثلاثين شيخا ، كانوا يعدّون من الأبدال كلهم ، أوصونى عند فراقي لهم فقالوا : اتقوا معاشرة الأحداث . ومن ارتقى في هذا الباب عن حلل الفسق ، وأشار إلى أن ذلك من بذل الأرواح ، وأنه لا يضر ، فما قالوه من وساوس القائلين بالشاهد ، وما يوردونه من الحكايات عن الشيوخ ما كان الأولى بهم سره وإخفاءه ، فهو نظير الشرك وقرين الكفر ، فليحذر المريد مجالسة الأحداث ومخالطتهم ، فإن اليسير منهم فتح باب الخذلان وبدد حال الهجران ، ونعوذ باللّه من قضاء السوء ] « 2 » . ومن آفات المريد : حسده الخفي للإخوان على ما خصهم اللّه تعالى من المقامات والأحوال التي ليس له مثلها ، وإنما يتخلص من ذلك باكتفائه بوجود الحق ، وقدمه عن جوده « 3 » . وكل من يرى أنه الحق رفع رتبته فعليه أن يحمل غاشيته ، فإن الظرفاء من القاصدين على ذلك استمرت طريقتهم وسنتهم لعلمهم أن ذلك من قسمة اللّه تعالى . [ ومن حكمه « 4 » : إذا وقع في جمع إيثار الكل بالكل فيتقدم الجائع والشبعان على نفسه ، ويتلمذ لكل من أظهر لكل من أظهر عليه المشيخة ، وإن كان هو أعلم فيه ، ولا يصل إلى ذلك إلّا بتبرئته عن قوته وحوله وتوصيله إلى ذلك بحول الحق ومنته . وأمّا آدابه في السماع : فلا يتحرك فيه اختيار البتة ، ومتى تحرك غلبة وقهرا ثم زال ذلك القهر ، وجب عليه القعود والسكون بحاله ، وإن أشار عليه الشيخ بالحركة فتحرك بإشارته فلا بأس به إذا كان ممن يحكم على أمثاله . وبالجملة فالحركة الاختيارية تنقص من حال كل متحرك ، مريدا كان أو شيخا ، فإن أشار إليه الفقراء بالمساعدة في الحركة ساعدهم بالقيام وبادر في ما لا بد منه مراعاة لقلوبهم ، ودفعا لاستيحاشهم . ثم إن صدقه في حاله يمنع قلوبهم من سؤالهم .

--> ( 1 ) تقدمت ترجمته . ( 2 ) ما بين المعقوفتين سقط من ( ج ) ومصحح بالهامش . ( 3 ) في ( ج ) : ( جوده ) . والصحيح : ( مقتضى وجوده ) كما ذكر في الرسالة القشيرية ، والمؤلف هنا يعتمد كثيرا على الرسالة دون أن يشير أحيانا ، كما في هذا الباب . ( 4 ) من هنا سقط من ( ج ) .