محمد بن أبي بكر الرازي

124

حدائق الحقائق

وقيل : حقيقة الزهد قوله تعالى : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ « 1 » . فالزاهد لا يفرح بموجود في الدنيا ، ولا يحزن على مفقود منها . [ وقال « أبو علىّ » « 2 » : الزاهد من يترك الدنيا ، ولا يقول : أبنى رباطا ولا أعمر مسجدا ] « 3 » . وقال « يحيى بن معاذ » « 4 » : الزهد يورث السخاء بالمل ، والحب يورث السخاء بالروح . واعلم أن الزهد من المقامات الشريفة . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إذا رأيتم الرجل قد أوتى زهدا في الدنيا وقلة منطق فاقتربوا منه ، فإنه يلقى الحكمة » « 5 » . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب » « 6 » . وجاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ، دلني على عمل يحبني اللّه ويحبني الناس ، فقال : « ازهد في الدنيا يحبك اللّه ، وازهد عما في أيدي الناس يحبك الناس » « 7 » .

--> ( 1 ) الآية رقم ( 23 ) من سورة الحديد . ( 2 ) هو : ( أبو علي الدقاق ) وتقدمت ترجمته . ( 3 ) ما بين المعقوفتين مستدرك على هامش ( ج ) . ( 4 ) تقدمت ترجمته . ( 5 ) حديث : ( إذا رأيتم الرجل قد أوتى زهدا . . . ) وفي نسخه المخطوط ( ومنطقا ) . والحديث رواه ابن ماجة في سننه ، وأبو نعيم في حلية الأولياء ، والبيهقي في شعب الإيمان ، عن أبي خلاد رضى اللّه عنه ، ورواه أبو نعيم في حلية الأولياء ، أيضا ، والبيهقي في الشعب ، أيضا ، ولكن عن أبي هريرة رضى اللّه عنه . انظر : السيوطي جامع الأحاديث ، حديث رقم ( 1384 ) 1 / 273 . ( 6 ) حديث ( من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب ) . لم أقف عليه بهذا اللفظ ، وإنما أورد السيوطي حديثا رقم ( 12759 ) قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا ألا تكون بما في يديك أوثق منك بما في يد اللّه ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك » وقال : رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي ذر رضى اللّه عنه 4 / 266 . من جامع الأحاديث . ( 7 ) حديث ( ازهد في الدنيا يحبك اللّه ، وازهد . . . ) . رواه النوري في الأربعين ، وقال : حديث حسن ، ورواه ابن ماجة وغيره بأسانيد حسنة ، ورواه الطبراني ، وأبو نعيم ، وابن حبان ، والحاكم ، والبيهقي ، وآخرون ، من حديث خالد بن عمرو القرشي ، عن سهل بن سعد الساعدي ، وانظر طرق رواية الأحاديث وتفاصيله في العجلوني : كشف الخفاء 1 / 117 رقم ( 323 ) .