عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

95

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

وروى عن بعض الكبراء : أن محل المعرفة من الإنسان هو من الذرة التي نظر إليها الرحمن يوم جمد الماء أرضا وباقي جسده توابعها ، وذلك مما لم يصبها قدم إبليس وظله وهو لب القلب في الحبة السوداء ، وعلى تلك يدور العود والإنشاء . قلت : وهي الذرة التي استخرجت من ظهر آدم وخوطبت بخطاب أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : 172 ] وأخذ منها الميثاق على جواب بَلى [ البقرة : 81 ] . واعلم أن جميع الذرات المأخوذة من بشرة الأرض أودعت ظهر آدم - عليه السلام - وكذلك كانت جثته أعظم الخلق وقامته أطول حتى روى أن رأسه يحتك بالسحاب فصلع لذلك ، ثم تصاغر أولاده شيئا فشيئا ، ولما أودعت ذرات الذرية في طينة آدم وهي في التخمير ومعنى التخمير تعجينها بما أودع وأشرب في جبلتها من الأخلاق والمعاني والخواص التي هي مودعة في الملائكة المقربين ، والشياطين المتمردين والحيوانات المتنوعة والنباتات المختلفة ، والسماوات والأرضين وما فيهن من الأفلاك والأنجم والبروج والمعادن والفلزات ، والجنان بما فيها من أنواع النعيم ، والنيران بما فيها من العذاب الأليم ، ولهذا كرم ظاهر آدم - عليه السلام - عند تخمير طينته بمباشرة يديه وهما صفتا اللطف والقهر ليودع في طينته ما هو من نتائج لطفه وقهره ليجعله مظهرا لصفات لطفه وقهره الذي هو مختص به . من بين سائر الموجودات في بدء الخلافة ، وسيجيء شرحها في موضعها إن شاء اللّه تعالى ، خصه بأربعين صباحا لأنها نهاية كمال الأعداد وذلك أن كمال مراتب الأعداد أربعة الواحد والعشرة والمائة والألف ، والعشرة عدد كامل من الآحاد لقوله تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [ البقرة : 196 ] فإذا كرر أربع مرات بلغت النهاية في الكمال وقوله : ( أربعين صباحا ) فيه سر عجيب وهو أن اللّه تعالى رش في مدة التخمير كل صبيحة رشة من نوره على طينة آدم - عليه السلام - ، والصبيحة وقت ظهور الأنوار وهبوب نفحات الأسحار ، وكانت ذرات أولاده مختلطة مختمرة بطينته ، والطينة مظلمة فمن أصابه من ذلك النور في صباحه اهتدى وهم السعداء ، والذين لم يصبهم من رشاش ذلك النور بقوا في ظلام طينتهم ولم يسفر لهم صبح قط وهم الأشقياء . وفي المثل السائر : ليس للعمى صباح . ومما يدل على هذه الجملة قول النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن اللّه خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن لم يصبه ضل وغوى » « 1 » . وفي بعض الروايات أن أربعين صباحا

--> ( 1 ) رواه الترمذي ، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة ، حديث رقم ( 2642 ) ، ورواه البيهقي ، كتاب السير ، باب مبتدأ الخلق ( 17710 ) طبعة دار الكتب العلمية ، ورواه غيرهما .