عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
88
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
الحياة ، ونور النخل المسمى طلعا وبه تلقح النخلة شبيه الرائحة ببذر الحيوان ، وقد أحصيت للنخل خصالا أخر كثيرة ليشابه بها الحيوان ليس هذا موضع إحصائها ، وإلى هذا المعنى يتوجه قول النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « أكرموا عمتكم النخلة ، فإنها خلقت من بقية طينة آدم » « 1 » . فقد تبين بلوغ النخلة الغاية الموضوع للنبات مبلغها حتى صار في أفق الحيوان ، وهذه الرتبة الأخيرة من النبات وإن كانت غاية شرفه فإنها أول أفق الحيوان ، وهي ما دونه مراتبه وأخسها ، وذلك أن أول ما يرتقي النبات من منزلته الأخيرة ويتميز به من مراتبه الأول : أن ينقلع من الأرض ولا يحتاج إلى إثبات العروق فيها بما يحصل له من التصرف بالحركة الاختيارية ، وهذه الرتبة الأولى من الحيوانية ضعيفة لضعف أثر الحس فيها وإنما يظهر فيها بجهة واحدة أعني حسا واحدا وهو الحس العام الذي يقال له حس اللمس ، وذلك كالصدف الذي يوجد في شاطىء الأنهار وأسياف البحار ، وإنما تعرف حيوانيته ويعلم أنه ذو حس واحد من أجل أنه إن استلب من موضعه بسرعة وعلى عجلة وخفة فارق موضعه واستجاب للأخذ ، وإن أخذ بإبطاء وعلى الترتيب لزم موضعه وتمسك وذلك لأنه يحس بأن لامسا يريد أخذه فيصعب حينئذ جذبه وتناوله من مكانه لتشبثه به ، وهو يضعف عن التنقل وإن كان قد يقلع من الأرض وصارت له حياة ما لأنه في الأفق القريب من النبات وفيه مناسبة منه ، ثم يرتقي عن هذه الرتبة إلى أن ينتقل ويتحرك ويقوى فيه قوة الحس ويظهر أثر النفس فينتقل ويلتمس منافعه ويصير له حسان كالدودة وكثير من الفراش والدبيب ، ثم يرتقي عن هذه الرتبة أيضا ويقوى أثر النفس فيه إلى أن يصير منه الحيوان الذي له أربع حواس كالخلد وما أشبهه ، ثم يرتقي من ذلك إلى أن يصير له من حس البصر شيء يسير ضعيف كالنمل والنخل والحيوان الذي على عيونه شبه الخزف وليست لها أجفان ولا ما ينستر في أحداقها ، ثم يقوى ذلك إلى أن يصير منه الحيوان الكامل ذو الحواس الخمس وهي مع ذلك متفاوتة المراتب ، فمنها : الجافية الحواس البليدة ، ومنها : الذكية المطيعة التي تستجيب للتأديب ويقبل الأمر والنهي ويستعد لقبول أثر النطق والتميز كالفرس من البهائم والبازي من الطيور ، ثم يعزب من آخر مرتبة البهائم
--> ( 1 ) أورده العقيلي في الضعفاء ، ( 4 / 256 ) ، طبعة دار الكتب العلمية ، وابن عدي في الكامل في الضعفاء ( 6 / 2424 ) طبعة دار الفكر بيروت ، وابن الجوزي في الموضوعات ( 1 / 184 ) الطبعة الأولى ، وأبو يعلى في مسنده ، حديث رقم ( 455 ) ج 1 ص 353 ، والعجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 511 ) وذكره غيرهم .