عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

86

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

الباب الخامس في مقام الإنسان وفيه ثلاثة فصول : الفصل الأول في أن الإنسان هو العالم الكبير بالروح وذلك لأن منشأ العالم بما فيه الروح الإنساني كما بينا من روح النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه أول شيء تعلقت القدرة به بأمر ( كن ) ، ثم سرى الأمر بإيجاد المكونات بعضها من بعض كما مر شرحه ، فإذا أمعنا النظر وجدنا اتصال أجرام الموجودات بعضها ببعض والكل واحد إذا أخذنا من مركز الأرض إلى أن ينتهي إلى السطح الأقصى من العرش ، وأنه حيوان واحد ذو أجزاء مختلفة وهو حي بالروح الإنساني إذ منه بدىء وإليه يعود ، فثبت أنه هو العالم الكبير ، وأما تقسيم أجزاء هذا الكل فإنه ينقسم إلى قسمين ؛ إلى عالم الكون والفساد وهو عالمنا السفلي ، وإلى العالم الذي لا كون فيه ولا فساد وهو السماء والأفلاك بما فيها من الكواكب والعرش والكرسي . فأما اتصال أجرام الأفلاك التسعة بعضها ببعض وأفلاك الكواكب المتحيزة فيها وتركيبها وهيئتها وأنه لا فرجة هناك فهو مشروح في كتب الهيئة مبرهن ببراهين لا يعترضها شك ولا يمكن فيها قدح . وأما اتصال الأجرام التي في عالمنا هذا . فهو مشاهد إلا ما اختلف فيه قوم من وجود الخلاء ، أي البعد غير حامل ، وهذا أيضا مشروح ظاهر في كتاب « السماع الطبيعي » . فأما اتصال الموجودات التي قلنا إن الحكمة سارية فيها حتى أوجدتها بالأمر وأظهرتها وأظهرت التدبير المتقن من قبل الواحد الحق في جميعها حتى اتصل آخر كل نوع بأول نوع آخر ، فصار كالسلك الواحد الذي ينتظم خرزا كثيرة على تأليف صحيح ، حتى جاء من الجميع عقد واحد فهو الذي يزيد تبينه ، والدلالة عليه