عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

80

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

وبي يبطش » « 1 » الحديث . اعلم أن المحبة محبتان ؛ محبة العبد للّه ومحبة اللّه للعبد ، فمحبة العبد للّه مودعة في الإيمان ، ومحبة اللّه للعبد مودعة في متابعة المحبوب صلى اللّه عليه وسلم . قال : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] والسر فيه أن المؤمن من يكون أشد حبا للّه عما سواه وازدياد المحبة بحسب ازدياد الإيمان ، فالمحب على قدر محبته يتبع النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ، وعلى قدر اتباع المحب يحبه اللّه تعالى ، فللإتباع ثلاث درجات . ولمحبة المحب ثلاث درجات ، ولمحبة اللّه للمحب المتابع على حسب اتباعه ثلاث درجات ؛ فأما درجات الاتباع : فالأولى : درجة عوام المؤمنين ، وهي متابعة أعماله - صلى اللّه عليه وسلم - ، والثانية : درجة الخواص وهي متابعة أخلاقه - صلى اللّه عليه وسلم - والثالثة : درجة أخص الخواص وهي متابعة أحواله - صلى اللّه عليه وسلم - . وأما درجات محبة المحب : فالأولى : محبة العوام وهي مطالعة المنة من رؤية إحسان المحسن وبره وأياديه ونعمه المتقدمة التي ابتدأنا بها من غير عمل استحققناها به ، وستره معايبنا بكرمه ، فإنه جبلت القلوب على محبة من أحسن إليها ، وهذا حب يتغير بتغير الإحسان ، فإن زاد الإحسان زاد الحب ، وإن نقص الإحسان نقص الحب ، وهو من باب الأفعال لمتابعي الأعمال وهم يطمعون أجرا على ما يتحملون من تباريح الحب . قال أبو الطيب : وما أنا بالباغي على الحب رشوة * ضعيف هوى يرجى عليه ثواب والثانية : محبة الخواص ، وهي محبة تنشأ من مطالعة شواهد الكمال عند تجلي صفات الجمال ، وهذه محبة المقربين ، يحبونه تعظيما وإجلالا له لاطلاعهم على كمال جماله ، وعظمة صفة كماله ، وهذا حب التعظيم والإجلال لوجهه تعالى وتقدس ، فذلك هو الباقي إلى أبد الآباد لبقاء الصفات إلى السرمد ويزيد بازدياد المعرفة . قالت رابعة : أحبك حبين حب الهوى * وحبا لأنك أهل لذاكا وهذه المحبة تبعث على إيثار الحق تعالى على غيره لما يتجلى له من معاني صفاته في مدارج آياته وهي لمتبعي أخلاقه - صلى اللّه عليه وسلم - فيظهر هذا المحب في هذه الدرجة إلى طرح ذكر غير اللّه عن قلبه متقلبا بين النظر إلى جماله مرة وإلى جلاله أخرى لهجا

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .