عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
76
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
مجاهدة النفوس بنهيها عن هواها ، وأمرها بطاعة سيدها ومولاها ، وصابروا على مراقبة القلوب مع اللّه بالتسليم والرضا في اللّه لأحكامه الأزلية عند نزول البلاء والابتلاء ، ورابطوا بمرابطة الأرواح إلى الوصول باللّه بالانقطاع عما سواه ، واتقوا اللّه بمحافظة الأسرار عن الالتفات إلى الأغيار لعلكم تفلحون عن حجب الوجود بالفناء في اللّه ، وتفوزون بالبقاء باللّه . فاعلم : أن الفلاح الحقيقي موقوف على هذه الخصال الأربع واللّه ولي التوفيق وقيل : وقف رجل على الشبلي فقال : أي الصبر أشد على الصابرين ؟ فقال : الصبر في اللّه ، فقال : لا ، فقال : الصبر للّه فقال : لا ، فقال : الصبر مع اللّه فقال : لا ، فغضب الشبلي فقال : ويحك فإيش ، فقال : الصبر عن اللّه فصرخ الشبلي صرخة كادت تتلف روحه . وعندي أن لمعنى الصبر عن اللّه ثلاثة أوجه : أحدها : صبر أهل الأهواء ، والبدع ، والمستغرقين في بحر الغفلات والشهوات الراغبين في النزعات الحيوانية النفسانية الصابرين عن اللّه وطلبه بالجهالة والضلالة . وثانيهما : صبر صاحب تلوين في مقام المشاهدة تارة يكون في ضوء نهار التجلي وتارة يكون في ظلمة ليل ستر الستر ففي حالة الستر لا بد له من الصبر عن اللّه فهو أشد صبرا على الصابرين . وثالثهما : صبر صاحب تمكين ، هو فان في اللّه باق به ، مستغرق في بحر الوحدة ، غائب عن وجوده بالكلية بحيث لا إحساس له عن نفسه ، ولا عن غيره متحير ، تائه بين الأنانية والهوية ، فإن جذبته الطبيعة إلى الأنانية جذبته بطشة الربوبية إلى الهوية ، وإن جذبته سطوة العناية إلى الهوية جذبته الطبيعة إلى الأنانية ، فهو منجذب عن كلا الوصفين مذبذب لا من الأنانية ، ولا من الهوية ، فإن طلبته في الأنانية وجدته في الهوية ، وإن طلبته في الهوية وجدته في الأنانية ، وقد دندن حول هذا من قال : أنا من أهوى ومن أهوى أنا * نحن روحان حللنا بدنا فإذا أبصرتنا أبصرته * وإذا أبصرته أبصرتنا ثم إن من فتح البصيرة ليشاهد نفسه تبعده الغيرة عن الهوية ، ولو فتح البصيرة لرؤية الهوية يستدعي رؤية الهوية وجود الرائي وهو اثنينية فلنفي الاثنينية يلزمه الصبر عن اللّه ، ورؤيته وهو أشد صبرا على الصابرين ، وهذا مقام الحيرة التي كانت