عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

65

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

صفاته ، وبألم تر إلى ربك ناجاه ثم في سر فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى جوامع الكلم أتاه هو ، كما أن للنفس النامية في تربية لب اللوز إلى أن يصير شجرة كاملة مثمرة في كل حال ومقام ، كلاما في تكوينها مثل أن يقول أولا مع أصلها كن أصلا على هذه الصورة ، والصفة والطبيعة ، والخاصية ، وكذلك مع الجذع والفروع ، والأغصان ، والأوراق ، والأزهار بحسب أحوالها إلى أوان تكوين الكامل في ذاته المكمل لغيره ، فيكون له معه جوامع الكلم التي كانت مع جميع أجزاء الشجرة ، بل على الحقيقة كانت جوامع الكلم التي قالها للشجرة من أولها إلى آخرها معه . لأن المقصود من الشجرة ثمرتها ، كما قال : لو لاك لما خلقت الكون واللّه أعلم . وأما تحقيق قوله : « نصرت بالرعب مسيرة شهر » فهو إشارة إلى أنه جوهر تخلص عن وصمة تصرفات الكونين لما عبر بالسير عن الخافقين ، وجاوز بالطير عن قرب قاب قوسين فما عوقه الزمان ولا المكان ، حتى سار من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ومن ثم إلى قاب قوسين أوطار منه إلى قرب أو أدنى ، بل أسرى به وأطير ، فإنه أخذ منه وكان هو بلا هو فكان سيره ورجوعه بأقل من ساعة ، ولما كان غيره متعلقا بالزمان والمكان كان رعبهم ونصرتهم متعلقا بمواجهة العدو ومباشرة الأسباب الظاهرة ، وهو - صلى اللّه عليه وسلم - كان بقوة الولاية يقذف الرعب في قلوب الكفار ، ويهزمهم بقوة الهمة بلا مباشرة الأسباب الظاهرة ، كما قذف اللّه في قلوبهم الرعب بلا أسباب ظاهرة ، بل هو بقدرة قاهرة ، إذ هو - صلى اللّه عليه وسلم - كان متخلقا بأخلاق اللّه تعالى ، كما أشار بأصبعه إلى القمر في السماء فانشق فلقتين ، والمسافة إلى السماء مسيرة خمسمائة عام لا يحجبه الزمان ، ولا المكان . واللّه أعلم . وأما قوله : « وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي » فهو أن الأمم المتقدمة منهم من لم يكن أبيح لهم جهاد الكفار فلم يكن لهم الغنائم ، ومنهم من أبيح لهم الجهاد ، ولكن لم يبح لهم الغنائم فكانت غنائمهم توضع فتأتي نار فتحرقها ، فأباحها اللّه تعالى لهذه الأمة ، وذلك لأن قوة ولاية نبوة النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قد بلغت نهاية كمالها ، فكانت تطهر ما لم تطهره قوة ولاية نبوة نبي آخر ، وتحل ما لم تحل ، كالماء إذا بلغ حد كماله وهو قلتان تطهر ما لم يطهر ماء دونه ، ولهذا قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا » وذلك أن أهل الكتاب ما أبيحت لهم الصلاة إلا ببيعهم وكنائسهم ، وأباح اللّه لهذه الأمة الصلاة حيث كانوا ، ولم يكن أبيح لأمة التيمم بالتراب بدلا من الوضوء بالماء والغسل ، فأبيح لهذه الأمة التيمم عند إعواز الماء ، فبقوة نور ولاية نبوته - صلى اللّه عليه وسلم - تقدست الأرض فصارت مسجدا وانقلب التراب في الحكم ماء .