عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
42
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
بعض الأحيان وليس يتم لهم ذلك بالقصد ولا عند التعمد له ، ولكن على ذلك لو لم ير الإنسان في عمره كله إلا مناما واحدا لوجب أن ينتبه منه على فعل النفس وأن يشعر به ولو أدنى شعور ، ويعلم منها ماذا أشير له منها إلى سعادتها وما هي معرضة له من الخلود والنعيم فيه ، وسكن إليه وعمل عليه ، فإن النفس إذ تركت عن صفاتها الذميمة وأخلاقها الردية بالتزهد عن الدنيا والعزلة عن الخلق ومجانبة الهوى واستعمال أركان الشريعة والتربية على قانون الطريقة ، وملازمة الذكر تلطف وتصفو وتنورت بنور الذكر واطمأنت إليه تشعشعت بصيرتها كشعاع البصر ، فلما تعطلت الحواس بالنوم أو بالمراقبة وعزلت النفس عن الخروج إلى المحسوسات رجعت إلى عالم الملكوت ولها عروج في العلويات بحسب صفائها وقوتها في الترقي والسير في عالم الملكوت فيعلو شعاع بصيرتها إلى عوالم الروحانيات كشعاع البصر إلى السماوات ، فيشاهد في كل عالم آية أودعها اللّه فيه ، كما قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [ فصّلت : 53 ] . وقال : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( 75 ) [ الأنعام : 75 ] فتكون للنفس في هذه المقامات معاريج على قدر تبدل صفاتها بالسير عن خصائصها ، وبحسب تلطف ذاتها بالتزكية عن أوصافها كما سيجيء شرحه في موضعه إن شاء اللّه تعالى ، فيرى النائم في منامه والسالك في واقعته أنه يعرج إلى الهواء ، ثم يعرج إلى السماء الأولى ، ثم إلى الثانية ، والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة ، ثم إلى العرش يرى أنه يعرج بأقل من طرفة عين من أسفل السافلين إلى أعلى عليين ، ومن أعلى عليين يطير إلى أسفل السافلين إلى أن يبلغ مرتبته بالطير بعد كمال السير يشاهد فيها ويكاشف بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . [ وقائع أرباب السلوك وأصحاب السير ] ثم اعلم أن تأويلات وقائع السائرين إلى اللّه تعالى لا تناسب تأويلات منامات أهل الدنيا وأربابها ، فإن أكثر مناماتهم تكون متخيلا من وساوس الشيطان وهواجس النفس ، فأما وقائع أرباب السلوك وأصحاب السير فعلى ثلاثة أوجه ؛ نفساني ، وروحاني ، ورباني . فالنفساني نوعين : النوع الأول : [ النفساني ] ظهور صفات النفس في كسوة الخيال بصور الحيوانات المناسبة لتلك الصفات ، فإن كان الغالب على النفس صفة الحرص تريها الخيال في صورة الفأرة والنملة وغيرها من الحيوانات الحريصة ، وإن كان الغالب عليها صفة الشره تريها في صورة الخنزير والدب ، وإن كان الغالب عليها البخل تريها في صورة الكلب والقردة . وإن كان الغالب عليها الحقد والعداوة تريها في صورة الحية ، وإن كان الغالب