عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
35
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
الفصل الثالث في أصناف الوحي قال تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [ الشّورى : 51 ] فاللّه تبارك وتعالى جعل أقسام كلامه مع عباده ثلاثة : وحيا بلا واسطة ، كما أخبر عن حال النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - بقوله : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ( 10 ) [ النّجم : 10 ] وكلاما من وراء حجاب ، كما أخبر عن حال موسى - عليه السلام - . بقوله تعالى : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [ النّساء : 164 ] والذي يدل على أنه كلمه من وراء حجاب قوله تعالى حكاية عن موسى - عليه السلام - : قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] أي ارفع الحجاب عني لأنظر إليك ، وإرسال الرسول : وهو جبريل - عليه السلام - وغيره من الملائكة يرسلهم إلى الرسل - عليهم السلام - ، كما قال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [ فاطر : 1 ] ثم أصناف الوحي ثلاثة : الأول : وحيا للعجماء ، وهو بالإجراء كما أخبر عن حال النحل بقوله تعالى : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [ النّحل : 68 ] الآية . فآثار الوحي في معاملاتها ظاهرة . فلو لم يكن أنها اتخذت البيوت المسدسة الهندسية التي يعجز العقلاء عن اتخاذ مثلها ، بإجراء الوحي الرباني ، وإلا فكيف يصدر من حيوان يكون بمعزل من العقل مثل تلك المعاملات . الثاني : وحيا للأولياء ، وهو بالإلهام كما قال تعالى : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا [ المائدة : 111 ] فلو لم يكن إيمان الحواريين بالإلهام الرباني إلى قلوبهم لكفروا . كما أخبر اللّه تعالى عن حالهم وحال غيرهم من بني إسرائيل بقوله تعالى : قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ [ آل عمران : 52 ] فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة ، يعني فآمنت طائفة الحواريين من بني إسرائيل بالإلهام الرباني وكفرت طائفة منهم إذ لم يلهموا به . والثالث : وحيا للأنبياء ، وهو بالإيحاء من اللّه تعالى تارة بواسطة جبريل ، كما قال تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ [ الشعراء : 193 ] وأخرى بغير واسطة في النوم ، كما قال تعالى : إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [ الصّافات : 102 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - : « رؤيا الأنبياء وحي » « 1 » وقد ورد عن بعض الحكماء الإسلاميين :
--> ( 1 ) أخرجه ابن أبي حاتم عبد الرحمن الرازي في التفسير ، حديث رقم ( 1823 ) [ ج 10 ص 3221 ] .