عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

33

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

كما تتزاحم في الأجسام ، وترتقي هذه القوة إلى قوة تسمى المتخيلة ، وربما يظن أنهما واحد ، وهذه القوة يظهر فعلها في جزء الدماغ المقدم ، ثم يرتقي إلى قوة أخرى للنفس تسمى الحافظة وهي كالخزانة التي تحفظ الأشياء الكثيرة ، استحضر منها ما يحتاج إذا امتد الزمان . فهذه القوة يظهر فعلها في الجزء المؤخر من الدماغ ، وهناك قوة أخرى للنفس وهي قوة الفكر تقع بها حركة الرؤية والتوجه نحو العقل ، ويختص بهذه القوة الإنسان دون سائر الحيوان ، ويظهر فعلها في البطن الأوسط من بطون الدماغ وليس للحيوانات الباقية هذا الجزء من الدماغ ، وإنما لها تانك القوتان في ذينك الجزءين فقط ، ولذلك لا رؤية لها ، فإذا حصلت تلك الصورة في هذه القوة حتى تقبلها وتنظر فيها فقد ارتقت إلى أفق الإنسان وفي هذه المرتبة تظهر الإنسانية ، وعلى قدر هذه الحركة واستقامتها وصحة نظرها وتميزها تكون مرتبة الإنسان وتميزه عن البهائم وعلى قدر استكمالها بالحركة ، وقبولها أثر العقل يكون مقداره من الإنسانية ، فإذا جعل الإنسان أقصى سعيه بما يستفيده من حواسه أن يرقيها إلى هذه القوة ويحركها أبدا في طلب أسبابها ومبادئها الأول ، أعطاه حينئذ العقل حقائقها فاستكملت صورة الإنسانية فيه وتصورت نفسه بحقائق الأشياء وتلك الحقائق هي أبدية الوجود غير داخلة تحت الكون ولا تحت المدة والزمان لأنها بسائط ، فتصير محاولات هذا الإنسان كلها ومساعيه فيها بطريق الرياضات النفسانية والمجاهدات الشرعية كما سيجيء شرحها إن شاء اللّه تعالى . ويبلغ الإنسان في هذه المرتبة متصاعدا فيها إلى غاية أفقه التي إن تجاوزها لم يكن إنسانا بل صار ملكا كريما ، وينبغي أن يتصور ذلك كما تصورت الوسائط الأخرى في أواخر أفقها وأوائل آفاق ما هو فوقها ، إلى أن تدركه العناية الأزلية ، وهبت نفحات ألطاف الحق فانحرقت الحجب النورانية الروحانية بهبوبها ، وتأثر الروح العلوي بشواهد الأنوار الربانية ، ويتقوى بقوة لم تكن في استعداد الإنسان مجبولة وهي لطيفة ربانية روحانية ، تسميها المشايخ خفيا ؛ لأنها كانت مخفية متكمنة لا يخرجها من القوة إلى الفعل إلا سطوات الأنوار الربانية ، فبالارتقاء إلى مقام الخفي يستعد للترقي من أواخر الأفق الإنساني إلى أوائل آفاق ما فوقها ، فيستعد لقبول الفيض الرباني بلا واسطة وهذا مقام الإنباء ، بأن ينبئه الحق تعالى بإراءة آياته في آفاق نفسه عما يشاء كما يشاء ، أما الأولياء بالإلهام ، وأما الأنبياء بالوحي بحسب استعداد كل واحد منهم . واللّه أعلم .