عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

31

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

الباب الثالث في مقام النبوة وهو يشتمل على عشرة فصول : الفصل الأول في كيفية ارتقاء الحواس الخمس إلى الحس المشترك ومنه إلى ما فوقه إلى أن تصير الروح به قابلا للوحي اعلم أنا وإن كان قصدنا في هذا الباب الكلام على النبوات ولكنا لا نصل إلى تحقيقه إلا بعد ذكر مراتب الموجودات واتصال بعضها ببعض والحكمة السارية في جميعها التي نشأت من قبل اللّه الواحد ، فأعطت كل مرتبة قسطها ووزنها بميزان العدل كما سنبينه في موضعه إن شاء اللّه تعالى ؛ فاقتصرنا من جميعها على شرح الحواس الخمس التي هي : حاسة السمع والبصر والشم والذوق واللمس ، وهي حاصلة في الحيوان الكامل في الحواس الخمس ، وهي مع ذلك متفاوتة المراتب : فمنها الجافية الحواس البليدة ، ومنها الذكية المطيعة التي تستجيب للتأديب وتقبل الأمر والنهي ، وتستعد لقبول أثر النطق والتميز كالفرس من البهائم ، والبازي من الطيور ، ثم يرتقي في أفقه الأعلى إلى أول مرتبة الإنسان ، وهذه المرتبة وإن كانت شريفة من مراتب الحيوانات ، وهي أعلاها وأفضلها وهي رتبة خسيسة من مرتبة الإنسان وهي مراتب القرود وأشباهها من الحيوانات التي قاربت الإنسانية وليس بينها وبينها إلا اليسير الذي إن تجاوزته صار إنسانا ، فإذا بلغه انتصبت قامته وظهر فيه من قوة التميز إلى الشيء اليسير الذي تناسب حالته وقربه من أفق البهائم . ولكنه على حال يهتدى فضل اهتداء إلى المعارف ، ويقوى فيه أثر النفس ويقبل التأديب بالفهم والتمييز ، وهذا الأثر وإن كان شريفا بالإضافة إلى ما دونه من رتب البهائم فهو خسيس دني جدا ، بالإضافة إلى