عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
25
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
الصمد هو الكامل الذي لا يحتاج إلى شيء لكماليته وكل شيء ناقص بالنسبة إلى كماله محتاج إليه في إتمامه ، وقوله : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( 4 ) [ الإخلاص : 3 - 4 ] يدل على سلب صفات النقص ، ليعلم أن معرفته مبنية على إثبات صفات الكمال وسلب صفات النقص لأرباب النظر ، وكان أصل أحد : وحد ، فقلبت الواو همزة ، والواو المفتوحة قد تقلب همزة كما تقلب المكسورة والمضمومة ، ومنه امرأة أسماء بمعنى وسماء من الوسامة . ومعنى الواحد في اسمه سبحانه قيل : هو الذي لا يصح في وصفه الوضع والدفع بخلاف قولك : إنسان واحد ؛ لأنك تقول إنسان بلا يد ولا رجل ، فيصح رفع الشيء منه والحق سبحانه بخلاف ذلك ، ويقال التوحيد على لسان العلم : الحكم بأن الشيء واحد . وأيضا العلم بأن الشيء واحد وقالوا : وحدته إذا وصفته بالوحدانية كما يقال : شجعت فلانا إذا نسبته إلى الشجاعة ، وقيل : التوحيد ثلاثة : الأول : توحيد الحق للحق : وهو علمه بأنه واحد وخبره عنه بأنه واحد . الثاني : توحيد الحق للخلق : وهو حكمه سبحانه بأن العبد موحد وخلقه توحيد العبد . والثالث : توحيد الخلق للحق : وهو علم العبد بأن اللّه واحد وحكمه وإخباره عنه بأنه واحد . واعلم أن التوحيد فرض على المؤمنين بقوله تعالى : فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ هود : 14 ] ففرض التوحيد : اعتقاد القلب أن اللّه عز وجل واحد لا من طريق عدد ، أول ولا ثاني له ، أزلي لا أزلية لقدمه ، أبدي لا غاية لأبديته ، آخر في أوليته ، أولي في آخريته ، ظاهر في باطنيته باطن في ظاهريته ، وهو حي وله حياة ، ومريد له إرادة ، وقادر له قدرة ، وسميع له سمع ، وبصير له بصر ، ومتكلم له كلام ، وعليم له علم ، وباق له بقاء ، وأن صفاته وأسماءه وأنواره غير مخلوقة ولا منفصلة عنه ، وأنه أمام كل شيء ووراء كل شيء وفوق كل شيء ومع كل شيء ومن نفس الشيء ، وأنه مع ذلك غير محل للأشياء ، وليست الأشياء محلا له ، ولا يشبه الأشياء ، وأنه على العرش استوى ، كيف شاء بلا تكييف ، استواء يليق بذاته ، وأنه تعالى ينزل إلى السماء الدنيا نزولا يوافق صفاته إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [ فاطر : 10 ] وهو باين من جميع خلقه يحتاج إليه العرش وحملته ، وهو حاملهم بقدرته كيف يشاء ، غير محتاج إلى شيء من خلقه ، كان اللّه ولم يكن معه شيء له الأسماء الحسنى والصفات العلى . لا زال ولم يزل بها موصوفا لا أغيار فتفارقه ، كما قالته الكرامية ، ولا ذاته