عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
230
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
[ انحصار الطرق في ثلاثة أنواع ] قال بعض المشايخ : الطرق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلق ، فطريقنا الذي نشرع في شرحه ، أقرب الطرق إلى اللّه وأوضحها وأرشدها ، لأن الطرق مع كثرة عددها محصورة في ثلاثة أنواع : أحدها : طريق أرباب المعاملات . بكثرة الصوم والصلاة وتلاوة القرآن والحج والجهاد ، وغيرها من الأعمال ، وهو طريق الأخبار . فالواصلون بهذا الطريق في الزمان الطويل أقل من القليل . وثانيها : طريق أصحاب المجاهدات والرياضات في تبديل الأخلاق وتزكية النفس وتصفية القلب وتخلية الروح والسعي فيما يتعلق بعمارة الباطن وهو طريق الأبرار . فالواصلون بهذا الطريق أكثر من ذلك الفريق ، ولكن وصول البوادر منهم من النوادر ، كما سأل ابن منصور عن إبراهيم الخواص : في أي مقام تروض نفسك قال : أروض نفسي في مقام التوكل منذ ثلاثين سنة . فقال : إذا أفنيت عمرك في عمارة الباطن ، فأين أنت من الفناء باللّه . وثالثها : طريق السائرين إلى اللّه والطائرين باللّه . وهو طريق الشطار من أهل المحبة السالكين بالجذبة . فالواصلون منهم في البدايات أكثر من غيرهم في النهايات فهذا الطريق المختار مبني على الموت بالإرادة . [ انحصار « الموت قبل الموت » في عشرة أصول ] قال - صلّى اللّه عليه وسلم - : « موتوا قبل أن تموتوا » « 1 » . محصورة في عشرة أصول : أحدها : التوبة . وهي الرجوع إلى اللّه بالإرادة . كما أن الموت رجوع بغير الإرادة كقوله تعالى : ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) [ الفجر : 28 ] وهي الخروج عن الذنوب كلها والذنب ما يحجبك عن اللّه من مراتب الدنيا والآخرة ، فالواجب على الطالب الخروج عن كل مطلوب سواه حتى الوجود ، كما قيل : وجودك ذنب لا يقاس به ذنب . وثانيها : الزهد في الدنيا : وهو الخروج عن متاعها وشهواتها ، قليلها وكثيرها ، مالها وجاهها ، كما أن بالموت يخرجون منها . وحقيقة الزهد : أن تزهد في الدنيا والآخرة . قال - صلّى اللّه عليه وسلم - : « الدنيا حرام على أهل الآخرة ، والآخرة حرام على أهل الدنيا ، وهما حرامان على أهل اللّه » « 2 » . ثالثها : التوكل على اللّه وهو الخروج من الأسباب والتسبب بالكلية ثقة باللّه كما
--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2668 ) [ ج 2 ص 260 ] . ( 2 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .