عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

228

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصّلت : 11 ] وأهل السبق بالخروج من العدم إلى عالم الأرواح ، وأهل السبق في خروج ذرياتهم من صلب آدم للميثاق ، وأهل السبق في الحضور عند رب العالمين ، وأهل السبق في استماع خطاب قوله : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : 172 ] وأهل السبق في جواب : قالُوا بَلى * [ الأنعام : 30 ] ، وأهل السبق في الإحياء بنفخ الصور ، وأهل السبق في الجواز على الصراط وأهل السبق فيمن يكلم اللّه وينظر إليهم وهم أهل السبق في دخول الجنة وأهل السبق في رؤية اللّه تعالى حين يتجلى لعباده بذاته وصفاته تبارك وتعالى وتقدس . [ الهبوط ] ثم اعلم أن الأرواح لما خوطبوا وهم في حظائر القدس وجوار رب العالمين بقوله : اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ * [ البقرة : 36 ] أي اهبطوا بالبذرية إلى أرض القالب بعضكم أي بعض روحكم عدو ، وذلك لأن اللّه تعالى خلق النفس بازدواج الروح والقالب من الروح والقالب ، فهي بعض الروح ، كما أن حواء كانت بعض آدم - عليه السلام - وهي عدو للروح ، كما قال - صلّى اللّه عليه وسلم - : « أعدى أعداءك نفسك التي بين جنبيك » « 1 » . والروح أيضا عدو لها وذلك لأن الروح علوي النسب علي الهمة نزاع إلى الحضرة ثم يحن إلى ربه شوقه إلى لقائه . لأنه أنشأه من لا شيء وشرفه بالإضافة إلى حضرته . وكان أنيسا له برهة من الدهر قبل خلق المكونات وهو الأصل وما سواه فهو فرع له ، وهو قاصد والحق مقصوده وهو طالب والحق مطلوبه ، وهو محب والحق محبوبه ، وهو تابع يستتبع النفس إلى الحضرة قهرا وقسرا على خلاف طبعها ، فهي تعادية لخسة طبعها ودناءة همتها ورداءة جوهرها . فإنها سفلة سفلية ، تنزع إلى الدنيا الدنية لأنها تنشأت منها ، أو تربت بلبان شهواتها واستلذت بملاذها وتمتعاتا ، فهي تستتبع الروح إلى أسفل الدنيا ، وتدعوه إلى استيفاء لذاتها قهرا وقسرا على خلاف طبعها ، فيعاديها الروح بعلو همته وعظم شأنه ، ولكل واحد منهما أعوان وأنصار يعينون صاحبهم وينصرونه ، فأعوان الروح وأنصاره العقل والقلب ، وهما يستمدان من اللّه ورسوله وآلة استمدادها حواس القلب ، وهي معدة في القوة وما خرجت بعد إلى الفعل ، وأوان البلاغة وقت إخراج القوة إلى الفعل بتصرف الائتمار بأوامر الشرع والانتهاء عن نواهيها حتى يتقي القلب من قبيل من هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) [ البقرة : 18 ] . ولهذا قال - صلّى اللّه عليه وسلم - : « إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ، ألا وهي القلب » . وإن

--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 412 ) [ ج 1 ص 128 ] .