عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

218

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

وقبول باطنه لتصرفات الشيطان والنفس . ففي كلا الوقتين يربيه الشيخ على مقتضى نظره الناقد ، فإذا كان في البسط يزيد في السماع في تشويقه وتعشيقه فيشحذ به دواعي قلبه الوامق حتى يصير بحيث لا يبالي مهجته وروحه فيتبدل بذلك سيره بالطيران ، فيقطع بلحظة ولمحة ما لا يتوقع قطعه في غيره بسنة . وإذا كان في القبض ينشطه ويقويه ويزيل تعبه ويريحه من نصبه ويدفع بذلك منه إصر المجاهدة وعبء الرياضة ويحيى به قلبه ويفك به روحه عن أسر الشيطان ، واستيلاء النفس . وإذا استراح السالك به عن كلالة عرضت وشامة سنحت عن الرياضة واستيلاء خواطر الأعداء عاد رونق وجه طلبه . ولا تستغربن ذلك في حال المريد والسالك فإنك تشاهد في الظاهر أنه ربما يغيب عاشق عن معشوقه ، فيمحو طول المفارقة آثار الشوق من قلبه ويخلق النزاع في باطنه إلى محبوبه فيقل أنينه بل يفنى حنينه . فإذا اتفق له سماع أبيات تعلق بواقعته وتتضمن تغيير معشوقه وتذكره أيام الوصال ولذات المعاشقة والمغازلة ولطائف الاستمتاع بحال المعشوق حركه السماع وهيج دواعي طلبه ، وأثار أشواق قلبه وجدد نزاع ضميره إلى أن طفق يمزق ثيابه وربما سعى في إهلاك نفسه وإزهاق روحه ، لا سيما إذا صحبه سكر . وكذلك إذا استولت صفات النفس ودواعي الهوى على القلب الهائم فانسدت بذلك طريق القلب الذي يلي الغيب ، فلا يروحه نسيم نفحات ألطاف الرب . فبقي القلب كالعاشق المهجور المبتلي بالآفات والحرمان فإذا امتدت مدة الهجران وطالت أيام الحرمان ولم يتمكن بعد في صدق الطلب آنس بالوحشة ونسي لذة المناجاة . وإذا حركه السماع واستوى زبد قلبه هيج أشواقه الكامنة فيستحكم بذلك عقدة الإرادة ، وتجدد عهد الطلب . فتبين أن السماع في حق المريد في الابتداء من أنفع المعالجات وأنجع التدابير لا سيما إذا لم يقارنه آفة صحبة الأغيار ولم يزاحمه مجالسة الأشرار ، ولم يكدره حضور من يزيغ قلب المريد من الحق إلى الباطل بل يكون في حراسة همة شيخ تمنع هيبته المريد عن الحركات المتكلفة ، وخلط الجد بالهزل ومزج الطلب بالطرب ، وأما الكبراء والسادة منهم فجلت رتبتهم عن أن يستكملوا بشيء ويكون فيهم فضلة لطارق يطرقهم ولوارد يرد عليهم ولذلك قال بعضهم : أنا ودك « 1 » كله لا ينفذ فيّ قول . وحكي عن سهل بن عبد اللّه التستري أنه قال : حالي في الصلاة وقبل الدخول في الصلاة شيء واحد . وذلك أنه يراعي قلبه ويراقب اللّه بسره قبل دخوله في الصلاة ، ثم يقوم إلى

--> ( 1 ) الودك : الدّسم ، أو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه .