عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

191

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

بخمسمائة عام نصف يوم » « 1 » . [ وجوه الفقر ] اعلم : أن الفقر من أشرف مقامات الروح وذلك لأنه لما خلق كان أول مخلوق ولم يكن معه مخلوق آخر . فكان عبدا مملوكا لا يقدر على شيء وهو كلّ على مولاه ، فنهاية الفقر الرجوع إلى البداية ، فالفقر على ثلاثة أوجه : فقر العوام : وهو بعدم المال كما ولدته أمه . وفقر الخواص : وهو بعدم الآمال والخروج من أحكام الصفات كما كان في عالم الأرواح . وفقر الأخص : وهو بعدم الوجود كما كان في علم اللّه قبل إيجاده بالوجود ليكون عبدا مملوكا لا يقدر على شيء من الوجود وهو كل على مولاه بجود الوجود ونيل المقصود . وهذا هو الفقر الذي افتخر به النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بقوله : « الفقر فخري » « 2 » . وهو فقر الفقراء الصّبر عن أوصاف الوجود الذي هم جلساء اللّه يوم القيامة وهو الفقر الذي أشار إليه من قال : الفقير لا يحتاج إلى اللّه لأنه فقير عن وجوده غني بربه . فالغني بالشيء لا يحتاج إلى ذلك الشيء . وهذا مقام النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بقوله : وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ( 8 ) [ الضّحى : 8 ] فكان - صلى اللّه عليه وسلم - فقيرا عن وجوده غنيا بربه ، ولم يكن غنيا عن ربه . ومثال ذلك : أن القمر يحتاج إلى نور الشمس وهو غني بنورها عند محاذاتها ولم يكن غنيا عن نورها . ولهذا قالت المشايخ : الاستغناء عن الشيء أتم من الاستغناء بالشيء وقول النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة » « 3 » . يدل على أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر . وكذلك قوله - صلى اللّه عليه وسلم - لرجلين أحدهما فقير والآخر غني : « هذا خير من ملء الأرض مثل هذا » « 4 » . وقال : صاحب الدرهمين أشد حسابا من صاحب الدرهم .

--> ( 1 ) رواه الترمذي في سننه ، كتاب الزهد ، باب ( 37 ) حديث رقم ( 2353 ) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط ، من اسمه محمد ، حديث رقم ( 7605 ) [ ج 7 ص 315 ] . ورواه غيرهما . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 3 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 4 ) ونص الحديث : عن سهل قال : مر رجل على رسول اللّه فقال : « ما تقولون في هذا ؟ » قالوا : حري إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع وإن قال أن يستمع . قال : ثم سكت فمر رجل من فقراء المسلمين فقال : « ما تقولون في هذا ؟ » قالوا : حري إن لا ينكح وإن شفع لا يشفع وإن قال أن لا يستمع . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « هذا خير من ملء الأرض مثل هذا » ( صحيح البخاري كتاب النكاح ، باب الأكفاء في الدين ، حديث رقم ( 5091 ) .