عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

187

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

قلت : وهذا حال المحبين للّه . فكيف حال من أحبه اللّه فحاله أن يفني كينونته في كينونة اللّه . كما قال تعالى : « فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش . . . » « 1 » . الحديث . وقال يحيى بن معاذ الرازي : حقيقة المحبة ما لا ينقص بالجفاء ولا يزيد بالبر . قلت : وقوله : حقيقة المحبة ما لا ينقص بالجفاء فمسلّم ، لأنه كلما جاء من المحبوب محبوب ، ولكن قوله : ولا يزيد بالبر فغير مسلم لأنه كما ليس لجمال المحبوب نهاية ، ينبغي أن لا يكون لمحبة المحب نهاية . وذلك لأن المحبة على قدر المعرفة . فكلما ازدادت المعرفة ازدادت المحبة ولا نهاية للمعرفة فلا يكون نهاية للمحبة والمعرفة بر من اللّه تزيد به المحبة . وقال الجنيد : دفع لي السري رقعة وقال : هذه لك خير من سبعمائة قصة أو حديث تعلو فإذا فيها : فلما ادعيت الحب قالت كذبتني * فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا فما الحب حتى يلتصق القلب بالحشا * وتذبل حتى لا تجيب المناديا وتنحل حتى لا يبقي لك الهوى * سوى مقلة تبكي بها وتناجيا وأنشد ابن عطاء : غرست لأجل الحب غصنا من الهوى * ولم يك يدرك ما الهوى أحد قبلي فأورق أغصانا واتبع صبوة * وأعقب لي مرا من الثمر المحلى فكل جميع العاشقين هواهم * إذا نسبوه كانوا من ذلك الأصل وقيل : أوحى اللّه تعالى إلى عيسى - عليه السلام - أني إذا اطلعت على قلب عبد فلم أجد فيه حب الدنيا والآخرة ملأته من حبي . وقال أبو بكر الكتاني : جرت مسألة في المحبة بمكة أيام الموسم ، فتكلم الشيوخ فيها وكان الجنيد أصغرهم سنا ، فقالوا هات ما عندك يا عراقي : فأطرق رأسه ودمعت عيناه : عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه ، أحرق قلبه أنوار هويته وصفا شربه من كأس وده ، وانكشف له الجبار من أستار غيبه ، فإن تكلم فباللّه ، وإن نطق فمن اللّه ، وإن تحرك فبأمر اللّه وإن سكن فمع اللّه فهو باللّه وللّه ومع اللّه . فبكى الشيوخ وقالوا : ما على هذا مزيد . جبرك اللّه يا تاج العارفين .

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .