عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
168
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
يعلم ، فسكوته عن جواب سؤال الروح وتوقفه انتظارا للوحي حين سألته اليهود فقد كان لغموضه يرى في معنى الجواب دقة لا يفهمها اليهود لبلادة طباعهم وقساوة قلوبهم وفساد عقائدهم ، فإنه قال : وما يعقلها إلا العالمون وهم أرباب السلوك والسائرون إلى اللّه تعالى ، فإنهم لما عبروا عن النفس وصفاتها ووصلوا إلى حريم القلب عرفوا النفس بنور القلب المنور بنور الذكر ، ولما عبروا بالسير عن القلب وصفاته ووصلوا إلى مقام السر عرفوا بعلم السر القلب ، وإذا عبروا عن السر ووصلوا إلى عالم الروح عرفوا بنور الروح السر ، وإذا عبروا عن عالم الروح ووصلوا إلى منزل الخفي عرفوا بشواهد الحق الروح ، وإذا عبروا عن منزل الخفي ووصلوا إلى ساحل بحر الحقيقة عرفوا بأنوار مشاهدات الجمال الخفي ، وإذا أفنوا بسطوات تجلي صفات الجلال عن أنانية الوجود ووصلوا إلى لجة بحر الحقيقة كوشفوا بهوية الحق تعالى ، وإذا استغرقوا في بحر الهوية وأبقوا ببقاء الألوهية عرفوا اللّه باللّه ووحدوه حين وجدوه ، هذا أوان إراءة ماهية كل شيء كما هي ، هذا وقت سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصلت : 53 ] ، فحينئذ إذا طلع الصباح استغنى عن المصباح ، وقد يتحقق للعبد مقام كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا ، فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش . ففي هذه الحالة كيف يبقى لمعرفة الروح خطر عند من هذه أحواله ، وهو مع هذه الرتبة العلية والمواهب السنية من لواقط سواقط حبات سنبلات بيادر بوادر النبوة ونوادر الرسالة ، فكيف بحال سيد المرسلين وخاتم النبيين وحبيب رب العالمين وأفضل الأنبياء والمرسلين صلوات اللّه عليه وعلى آله أجمعين في معرفة الروح وهو الذي يقول : « علمت ما كان وما سيكون » « 1 » . ثم اعلم أن الروح لطيفة ربانية وهو أول شيء تعلقت القدرة بإيجاده في أمر كن ، وإنما قلنا إنه رباني لاختصاصه بالإضافة إلى الحضرة الربانية قوله تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] وهو جوهر نوراني قائم بنفسه والذي يدل على قوله - صلى اللّه عليه وسلّم - : « إن اللّه تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام » « 2 » وأنه ليس بجسم ولا عرض لأنه أول مخلوق ، وهو جوهر بسيط والجسم مركب ، والعرض يحتاج إلى محل وقد بينا في فاتحة الكتاب : أن الجسم إذا قبل صورة لا يمكنه أن يقبل صورة غيرها من جنسها إلا أن يخلع الصورة الأولى ويفارقها ، والروح ليس بهذه الصفة وذلك لأنه إذا
--> ( 1 ) لم يرد بهذا اللفظ إنما ورد بألفاظ أخرى تفيد هذا المعنى منها ما رواه أحمد في المسند عن أبي سعيد الخدري ، حديث رقم ( 752 ) [ ج 2 ص 331 ] . ( 2 ) أورده ابن حجر في لسان الميزان ، [ ج 3 ص 407 ] . وأورده غيره .