عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
146
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
يخاف الولي أم لا ؟ قلنا : أما الخوف الذي يتعلق بزمان مستقبل من مكروه يصيبه من مخلوق أو محبوب يفوته فلا ، لأنه ليس للولي ماض ولا مستقبل وهو ابن وقته ولأنه مشاهد للحق تعالى فلا يرى في الدارين غير اللّه وفي نظره كل شيء هالك إلا وجهه . وأما خوفه في ذات اللّه تعظيما وإجلالا فنعم لأنه يزداد بازدياد القرب والمعرفة قال الواسطي : الخوف والرجاء زمامان على النفوس لئلا تخرج على رعوناتها ، وقال : إذا ظهر الحق على السرائر لا يبقى فيها فضلة لرجاء ولا خوف . قال الأستاذ أبو القاسم : « وهذا فيه إشكال » ومعناه إذا اصطلمت شواهد الحق بالأسرار ملكتها ، فلا يبقى منها مساغ لذكر حدثان . فالخوف والرجاء من آثار بقاء الإحساس بأحكام البشرية . فصل في الرجاء قال اللّه تعالى : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ الكهف : 110 ] . وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « قال جبريل - عليه السلام - : قال اللّه عز وجل : عبدي ما عبدتني ورجوتني ولم تشرك بي شيئا غفرت لك على ما كان منك ، ولو استقبلتني بملء الأرض خطايا وذنوبا استقبلتك بملئهن مغفرة واغفر لك ولا أبالي » « 1 » . واعلم أن الرجاء أحد جناحي قلب المؤمن ، والخوف ثانيهما بهما يطير عوامهم إلى الجنات وخواصهم إلى القربات وأخص خواصهم إلى مقامات في المواصلات ، ثم يتبدل اسم الخوف والرجاء فالرجاء انعكاس ضياء أنوار الجمال على مرآة القلب ، والخوف انعكاس ضياء أنوار الجلال على مرآة القلب ، وأمارة صحة الخوف والرجاء ترك ما يبعده عن الحضرة واستعمال ما يقربه إليها ، فمن كان خوفه من النار ورجاؤه إلى الجنة فليباشر أعمال الشريعة بالتقوى ، ومن كان خوفه عدم قبول الطاعات ورجاؤه إلى المواصلات فليعمل عملا صالحا للحقوق ، صافيا عن الحظوظ ، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا بالالتفات إلى الدارين .
--> ( 1 ) رواه أحمد في المسند بلفظ : « إن اللّه عز وجل يقول يا عبدي ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان فيك ويا عبدي إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة ما لم تشرك بي لقيتك بقرابها مغفرة وقال أبو ذر إن اللّه عز وجل يقول يا عبادي كلكم مذنب إلا من أنا عافيته فذكر نحوه إلا أنه قال ذلك بأني جواد واجد ماجد » ( المسند ، حديث رقم ( 21406 ) [ ج 5 ص 154 ] . ورواه ابن الجعد في مسنده ، حديث رقم ( 3423 ) [ ج 1 ص 491 ] .