عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
143
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
يا عين سحي أبدا * يا نفس موتي كمدا ولا تحبي أحدا * إلا الجليل الصمدا فلما رآني قال : يا شيخ أنت على ضعف من اليقين بعد . ثم اعلم أن اليقين من مقامات لا ينقطع السير فيها إلى الأبد لأنه ثمرة شجرة المعرفة وهي غير متناهية فثمرتها تكون غير متناهية . فكما أن للعارف في مقام السير في اللّه تتجدد المعرفة ويزيد مع لحظاته إلى الأبد ، كذلك يتجدد للموقن السائر في مقام حق اليقين بحسب المعرفة مزيد في اليقين إلى الأبد . وقد خص اللّه حبيبه المجتبى ونبيه المصطفى - صلى اللّه عليه وسلم - بهذه المرتبة السنية ، فقال : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 ) [ الحجر : 99 ] أي كن ثابتا على قدم العبودية إلى الأبد ليزداد لك المعرفة واليقين بلا نهاية . وإنما فسر علماء الظاهر اليقين ههنا بالموت ؛ لأن اليقين بالآخرة وسؤال المنكر والنكير والثواب والعقاب يحصل بالموت ، فإن فيه كشف الغطاء ، كقوله تعالى : فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ ق : 22 ] وقد كشف غطاء السائرين إلى اللّه تعالى في حياتهم ووصلوا إلى مقام الإيقان بعد الإيمان بل حصلوا في مقام العيان حتى قال بعضهم : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا واليقين يورث الصبر وقد مر الكلام على الصبر وما بلغ من بلغ هذه المراتب وما عبر عن هذه المقامات إلا بالصدق . فصل في الصدق قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ( 119 ) [ التّوبة : 119 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا يزال العبد يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند اللّه صديقا ، ولا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند اللّه كذابا » « 1 » . اعلم أن على الصدق مدار جميع المقامات في السير إلى اللّه ولا يمكن الوصول إلى الحضرة إلا بقدم الصدق كما قال تعالى : لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ يونس : 2 ] . وقال بعضهم : الصدق سيف اللّه ما وضع على شيء إلا قطعه ، الصدق ينافي الكذب في الأقوال والأعمال والأحوال ، فمن صدق في الأقوال فهو صادق ، ومن صدق في الأعمال فهو صدوق ، ومن صدق في الأحوال فهو صديق .
--> ( 1 ) رواه الطيالسي في مسنده عن عبد اللّه بن مسعود ، حديث رقم ( 247 ) . ورواه الطبراني في المعجم الصغير ، حديث رقم ( 683 ) [ ج 2 ص 8 ] .