عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
120
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
وفي بعض الآثار : إن في السماء الخامسة ملكا يمر به عمل عبد له ضوء كضوء الشمس فيقول : قف فأنا ملك الحسد اضرب به وجه صاحبه فإنه حاسد . وقيل : إذا أراد اللّه أن يسلط على عبد عدوا لا يرحمه سلط عليه حاسده وأنشدوا : وحسبك من حادث بامرىء * ترى حاسديه له راحمينا وهذا المعنى يدل على أن دواء الحسد في استعمال الرحمة . وقيل : رأى موسى - عليه السلام - رجلا عند العرش فغبطه فقال : ما صفته فقيل : كان لا يحسد الناس على ما آتاهم اللّه من فضله . و عن أنس - رضي اللّه عنه - قال : كنا جلوسا عند رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : « يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة ، فطلع رجل من الأنصار ، ينظف لحيته من وضوء قد علق نعله في يده الشمال ، فسلم ، فلما كان من الغد قال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : مثل ذلك ، فطلع ذلك الرجل مثل مرته الأولى ، فلما كان اليوم الثالث ، قال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : مثل مقالته الأولى أيضا ، فطلع الرجل مثل حاله الأولى ، فلما قام النبي صلى اللّه عليه وسلم تبعه عبد اللّه بن عمرو بن العاص فقال : إني لاحيت أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثا ، قال أرأيت أن تؤويني إليك حتى تنقضي الثلاث فعلت . قال : نعم قال أنس : فكان عبد اللّه يحدث أنه بات معه ثلاث ليال ، قال : فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا تعار من الليل وتقلب على فراشه ذكر اللّه وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر ، غير أنه لا يقول إلا خيرا ، قال : فلما مضت الثلاث ليال وكدت أحتقر عمله قلت : يا عبد اللّه إنه لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة ولكني سمعت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول ثلاث مرات : « يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة » فطلعت أنت الثلاث مرات ، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك ، فلم أرك تعمل كثير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم . ؟ فقال : ما هو إلا ما رأيت . قال : فانصرفت عنه . فلما وليت دعاني . فقال : ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي على أحد من المسلمين غشا ولا أحسده على خير أعطاه اللّه إياه ، فقال عبد اللّه : فهذه التي بلغت بك وهي التي لا تطاق » « 1 » وعن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « ثلاثة لا
--> ( 1 ) رواه النسائي في السنن الكبرى ، كتاب عمل اليوم والليلة ، باب ما يقول إذا انتبه من منامه ، حديث رقم ( 10699 ) ورواه أحمد في المسند عن أنس بن مالك ، حديث رقم ( 12703 ) طبعة دار الكتب العلمية ، ورواه غيرهما .