ابن عربي

89

مجموعه رسائل ابن عربي

حافره ، ولا تهن قوته ، فيقهر راكبه عن الحذر والخوف والفزع من ركضه السريع ، ويشغله بنفسه ، وبمحاملة المحافظة على توازنه . والجود الأصيل الذي يخضع لمشيئة راكبه ، لأنه في أغوار مشاعره يخشى العقبات ، وكبوة الطريق ، ولم يجرب الاندفاع بين الصخور والرمال . فاختار ما يختار له سائسه ، ولم يقحم نفسه في مجاهل الدروب . فالنوع الأول يشبه من سبق فتحه على سلوكه تماما ، لأن شيخه يحذره ، وقد يفلت من بين يديه كما يفلت الجواد إذا استغرقه جمال الركض ولحن الغيب العازف في آذانه من صفق الريح ، وقد يعترض شيخه ويقف محاورا إياه ، كما يقهر الجواد راكبه على الطريق الذي يريد إذا استولى عليه سكر النجاح في قهر الحدود والسدود . هكذا كان الشيخ الأكبر ، يريد شيوخه أن يتحدثوا معه من الألف ، فيجدوه قد انتهى إلى الياء وهذا هو السر في أنه قد تلقى طريق التصوف عن نحو من خمسين شيخا ، ولم يخضع لقانون السلوك الذي يلزم المريد بالتلقي عن شيخ واحد ، وعدم التلقي عن غيره إلّا بإذنه ، ومع ذلك فقد أهاب بالضعاف - ممن يسبق سلوكهم على فتحهم - أن يأخذوا بهذا القانون خشية البلبلة والاضطرابات وتفريق الجمعية . ومع هذا النزوع والطموح فهو بحكم التوفيق خاضع للحق لائذ بميزان الشرع من مغبة الانحراف وضلال الطريق ، وقد كرر هذا المعنى كثيرا في كتاب العبادلة وفي غيره من الكتب ، وألح على ضرورة القبض على ميزان الشرع ، والعض عليه بالنواجذ في كل حال . فزيادة على ما في العبادلة من ذلك يروي عنه ابن العماد قوله : رأيت في واقعة وأنا ببغداد سنة ثمان وستمائة أن السماء قد فتحت ، ونزلت خزائن المكر الإلهي مثل المطر العام ، وسمعت ملكا يقول : ماذا نزل إليه من المكر ؟ فاستيقظت مرعوبا ، ونظرت في السلامة من ذلك فلم أجدها إلّا في العلم بالميزان المشروع . فمن أراد اللّه به خيرا وعصمه من غوائل المكر فلا يضع ميزان الشرع من يده . ويحقق خضوعه لهذا الميزان مع نزوعه وسبق روحه إلى آفاق العلا . ما نقله عنه الشعراني في اليواقيت ، نقلا عن الفتوحات المكية 246 حيث يقول : « إياك أن ترمي ميزان الشرع من يدك في العلم الرسمي ، بل بادر إلى العمل بكل ما حكم وإن فهمت منه خلاف ما يفهمه الناس مما يحول بينك وبين إمضاء ظاهر