ابن عربي

87

مجموعه رسائل ابن عربي

المقامات ، ويطوي الطريق طيا سريعا . ثم يعود بعد ذلك فيؤدّي حقها من الأعمال والعبادات ، دون شعور بالمكابدة ، ولا إحساس بوطأة المجاهدة ، بعكس الأول تماما . وهذا النوع من السالكين قد ينحرف - إذا لم تحطه العناية - إلى الهاوية ، ومن هؤلاء المنحرفين عن هذا اللون من السلوك الكثيرون من أهل الأهواء الذين تزعموا فرقا امتازت بذكاء عقلي نادر ولكنه منحرف ومن أظهر هؤلاء « الحسن الصباح » شيخ الحشاشين والذي استطاع بذكائه أن يستولي على قلوب الناس حتى اعتقدوا فيه نوعا من الألوهية ، ومنهم « بهاء اللّه » الذي استطاع هو الآخر أن يقنع الكثيرين بأنه نبي موحى إليه وشريعة من السماء . وممن استقام على هذا النهج ، وحفظته العناية من الانحراف ، وآزرته سابقة الحسنى بالاستقامة شيخنا الأكبر الذي يعتبر بحق قمة شامخة من قمم الإنسانية يندر أن يجود الزمان بمثلها . والواقع أن الشيخ كان منذ صغره روحيا يتمتع بضمير روحي عريق الأصالة يضرب بجذوره إلى أعماق البيئة التي نشأ فيها . فجده الأعلى حاتم الطائي ، وله في الكرم أساطير تكشف عن وعي الروح العجيب الذي كان ينبض بالإشفاق على المعوزين ، وبالسرور لسرور الناس ، حتى سرت الدنيا بأحداث كرمه الخارقة . وجده الذي يليه عدي بن حاتم الطائي « الجواد بن الجواد » الذي وفد في قومه مسلما سنة سبع من الهجرة ، وعاش مجاهدا في سبيل الإسلام حتى بعد أن جاوز المائة من العمر . وأبوه كان رجلا صالحا كان يدمن قراء وسورة « يس » ويؤمن بأنها لما قرئت له ، وكان هو الآخر يتمتع بقوة من الروح استطاع بها أن يلقي في روع ابنه الفتى محي الدين نفوذ سورة يس ، إذ يروي لنا الشيخ الأكبر إنه كان مريضا مغشيا عليه ، فرأى أشباحا كريهة تحيط به ، ثم رأى شبحا جميلا مهيبا يدفع عنه ، وفتح عينيه ، فرأى أباه إلى جنبه يقرأ سورة يس فلما قص عليه ما رأى قال له أبوه : يا ولدي هذه سورة يس . وبمثل هذا الإيمان واليقين استطاع أن يؤثر في ابنه الذي حباه اللّه استعدادا