ابن عربي
75
مجموعه رسائل ابن عربي
الملك ومعه أصحاب أخباره فلا يبقى لأصحابه حكم في قلب من شهد الملك ، وإلّا لكان وهنا في معرفته بحكم الملك وسلطانه . فاحذر من الإقدام على الطعن على العلماء مع عدم بلوغك إلى مقامهم واختلاف أحوالهم ، حتى أنهم في حال كشخص ، وفي حال آخر كشخص آخر ، فإن للعبد عند كشف الحق محوا عن نفسه ، والعالم يتلاشي في عينه ، ولهذا قالت المتصوفة للصغار : يسلم للمشايخ الكبار حالهم ، وكلامهم سم قاتل لهم أولا ، ثم لمن لا يفهم كلامهم . . . وأما القائل فقال بحكم حال كشفت له خاصة ، وحجب عنها السامع . . . فمن علم أن الخلق لا يستوون في المقال ، ولا في الأحوال ، لا يعقد الظنون ببادرة الواقع ، فيقع ناقصا » « 1 » . وإذا لم يقنع أتباع ابن تيمية من المنكرين على الصوفية عامة وعلى الشيخ الأكبر خاصة بشهادة ابن مفلح المقدسي فلعلهم يجدون في الرسالة الشهيرة التي وجهها الذهبي إلى شيخه القديم ابن تيمية مقنعا وملاذا من الخطأ « 2 » . وإذا بحثنا الدوافع التي تدفع إنسانا ما إلى الزندقة والإلحاد وجدناها تنحصر في اختلال العقل ، والطموح السياسي . وغلبة الهوى . فأين مكان الشيخ الأكبر من هذه الدوافع ؟ ! . أما الاختلال العقلي ، فلم يقل به قائل من أعدائه على الإطلاق ، والرجل الذي وجه عصره كله ، وقاد العقول في ميادين الحكمة ، وصار رائد الأرواح في عوالم المجهول ، مع شهادات كبار العقلاء من العلماء له بالاستقامة الفطرية والعقلية . لا يمكن أن يتطرق الشك إلى موازين عقله بأي حال من الأحوال . لا سيما إذا أخذنا في اعتبارنا حرصه الشديد على إيضاح العقيدة والدفاع عنها وتقويم انحراف المنحرفين فيها . والسمو الفريد في تقريرها . وأما الطموح السياسي فلا دليل عليه هو الآخر . وقد كان في مقدور هذا العقل الجبار أن يصعد على سلم السياسة حينما كان موقعا في قصور الحكم بالأندلس ولكنه هجر هذا المجد إلى مجد العلم والمعرفة . وكان بمقدوره كذلك أن يصعد سلم السياسة وهو في الشام حيث استتب له مجده لدى الحكام وعظماء
--> ( 1 ) الآداب الشرعية 1 - 314 . ( 2 ) مقدمة سير أعلام النبلاء للذهبي .