ابن عربي
338
مجموعه رسائل ابن عربي
لكل إنسان سر مسلم ذوقا لا يعلمه أحد من جنسه ولا الألف من غير جنسه ويعلمه هذا الذي أكرمه اللّه تعالى به وما يكون فيه من بعد مما لم يوجده تعالى في نفسه إلّا أن إكرامه من اللّه تعالى لبعض العبيد وتحقق ميراث إلهي فأرباب القلوب يعلمون السرائر بأعلام اللّه لهم وما انطوت عليه النفوس والضمائر وهي المكاشفات التي ذكرناها في عضو البصر ويعلم واحد من أرباب القلوب ما لا يعرفه الضمائر ولا الخواطر مما ستعرفه فبهذا استأثر صاحب القلب الإلهي وهذا حائل عقلا لا يعلم اللّه سبحانه عبدا من عباده ما في نفس عبد آخر مما سيكون مما ليس هو الآن كائن وما بقيت الدعوى إلّا في أن هذا الأمر قد وقع ولا برهان على أنه قد وقع عقلا إلّا أن المدعي في هذا المقام إذا ادعاه ويقول أنا ذلك الرجل يقال له هات أخبرنا بما في نفوسنا وما يكون من بعد مما ليس فيها الآن فإن كان صادقا في دعواه أخبر بذلك وإلّا فدعواه كاذبة وهذا هو السر والأخفى الأول الذي هو سر السر فهو أخفى بالنظر إليك مع العالم ومن جهة أن الحق قد أطلعك عليه سر بينك وبين الحق والحق أخفى منه وصاحب هذا المقام يعلم ما في نفسك ولا تعلم ما في نفسه ولما كان هذا الأمر يحصل لبعض الناس ولم يحصل للآخرين من أجل ذلك المقام الذي يحصل فيه لمن حصل جعلناه كرامة ولم نجعله منزلا لأن أصحاب المقامات ليس الكرامات شرطا في تصحيح مقاماتهم وأما المنازل فشرط في صحة المقامات ومن ادعى مقاما ولم يقف على منزل فدعواه كاذبة وقوله زور وبهتان ( منازل الآمنين ) واعلم أن السبب الذي منه تحصل هذه الكرامات هو أن القلب له بابان باب إلى عالم الملكوت وباب إلى عالم الشهاد وعلى كل باب إمام فالإمام على باب عالم الملكوت قارع لذلك الباب حتى يفتح له ولا بد أن يفتح فإذا فتح ظهر عند فتحه طريقان واضحان طريق إلى الأرواح الملكوتيات والرحموتيات وطريق إلى اللوح المحفوظ فإن سلك هذا الإمام على طريق الأرواح وقف على أسرارا الملائكة ويصير صاحبا لهم وسميرا ومن ثم يكثر تسبيحه وتهليله ومعاملاته واجتهاده في العبادات على حسب الصنف الروحاني الذي يكون معهم فثم صنف غلب عليهم التسبيح وآخر غلب عليهم التحميد وآخر غلب عليهم السجود وآخر غلب عليهم القيام وما منهم إلّا وله مقام معلوم كما أخبر اللّه سبحانه وتعالى وجد مرسوم وأنهم الصافون المسبحون الليل والنهار ولا يفترون فهذا الإمام النزيل يغلب عليه حالتهم ضرورة فتكون عبادته على نوع عبادة الصنف الذين يكون عندهم وهي الدلائل على كشفه