ابن عربي

316

مجموعه رسائل ابن عربي

إلى ما يكون مآله إلى جيفة نتنة قذرة وإن نظرت في الغالي من الملبس نظرت إلى خرقه مطروحة في المزبلة إلى هذا مآلها وإن نظرت إلى مسكن عال مشرف حسن الصنعة والتنميق نظرت إلى ما يكون مآله إلى حرابة موحشة وإن نظرت إلى مطعم لطيف نظرت إلى ما يصير عذرة نتنة يسد أنفه حين يطرحها عن شدة نتنها وكذلك شربه وأمثال هذا وليته لو وقفه الحال هنا ولا يبقى عليه تبعات ذلك في الدار الآخرة حين يسأل ممن كسبت وفيم أنفقت يسأل في الفتيل والقطمير بل في مثقال ذرة فانظر ما أمحن باطن الدنيا مساكنها خراب وملابسها خرق ومناكحها ومراكبها جيف ومطاعمها ومشاربها عذرتان نسأل العافية والحجة عليها في هذا بينة لأنه لو كان خبرا كان بعض عذر وإنما هذا كله معاين منا لتغير هذه الأحوال مشاهدة فالحجة قائمة للعاقل على نفسه وإن طلبت منه هذا وليت مع هذا كله لو تركت معه وإنما الداء العضال والطامة الكبرى والداهية العظمى أنها في أشر ما يكون فيه من هذه الأحوال إن قضى لها به ويعطيها اللّه مرادها كما شاءت يسلب عنه وعن هذه الدار بالموت وينقل إلى منزل لا يجد فيه شيئا إلّا ما قدمته في دنياها بعمل صالح عملته وإن لم تفعل ذلك فليس لها مسكن تأوي إليه إذا لم تشهده في حياتها ولا سعت في كسبه فبقيت مسجونة في البرزخ في مشيئة اللّه تعالى فإذا تقرر هذا يا بني فاعلم أن ما يجب عليك في الطعام من اجتناب المحظور فيه والمتشابه يتوجه عليك في اللباس والتقليل من هذا كالتقليل من هذا وهاتان المرتبتان يحتاج إليهما كل مريد وما زاد من مسكن وغير ذلك فلا يحتاج إليه كل أحد فإن الغيران والكهوف والمساجد قد أوجدها اللّه تعالى لهم وإنما الحاجة التي تعم كل الناس إنما هو اللباس والطعام ولهذا قال تعالى : إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى ولم يزد لأن الضرورة ما ذكرناه وما زاد فليس بضروري إلّا في وقت ما إذا كانت الحاجة إليه بخلاف هذا فسبحان الحكم العدل قال إبراهيم بن أدم ( رضي اللّه عنه ) للقمة تتركها من عشائك مجاهدة لنفسك خير لك من قيام ليلة هذا إذا كان حلالا وأما الحرام فلا كلام فيه إذ لا خير فيه البتة فما مليء وعاء شر من بطن ملىء بالحلال وهذا قوله في التقليل وهو من رؤساء المشايخ في طريق النجاة وقال أيضا في طيب المكسب أطب مطعمك ولا تبال ما فاتك من قيام الليل وصيام النهار فالحلال وفقك اللّه تعالى طيب لا ينتج إلّا طيبا قال اللّه تعالى : الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ ففي هذا من الاعتبار للصوفي