ابن عربي

309

مجموعه رسائل ابن عربي

وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ فما في الوجود شيء إلّا لحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها فالوجود كله ما انتظم منه شيء لشيء ولا انضاف منه شيء إلى شيء إلّا لمناسبة بينهما ظاهرة أو باطنة إذا طلبها الحكيم المراقب وجدها كما حكي عن الإمام أبي حامد الغزالي ( رحمه اللّه ) وهو من رؤساء هذه الطريقة وساداتهم وكان يرى المناسبة ويقول بها فرأى يوما بالقدس حمامة وغرابا قد لصق أحدهما بالآخر وأنس به ولم يستوحش منه فقال الإمام اجتماعهما لمناسبة بينهما فأشار إليهما بيده فدرجا وإذا بكل واحد منهما عرج وكذلك اتفق لشيخ الشيوخ بمغربنا أب النجا المعروف بأبي مدين أتفق له يوما أنه علق خاطره بالغير فماشاه شخص وهو على ذلك الخاطر فاستوحش منه الشيخ فسأله فإذا به مشرق باللّه تعالى فعلم المناسبة وفارقة فالمناسبة في سياق الأشياء صحيحة ومعرفتها من مقامات خواص أهل الطريقة ( رضوان اللّه عليهم ) وهي غامضة جدا موجودة في كل الأشياء حتى تبيّن اتساق الاسم والمسمى . ولقد أشار أبو زيد السهيلي وإن كان أجنبيا عن أهل هذه الطريقة ولكنه أشار إلى هذا المقام في كتاب المعارف والأعلام له في اسم النبي ( ص ) محمد وأحمد وتكلم على المناسبة التي بين أفعال رسول اللّه ( ص ) وأخلاقه وبين معاني أسمية محمد وأحمد فالقائلون بالمناسبة من طريقنا عظماء أهل مراقبة وأدب واشتغال بنفوسهم وبأحوالهم ولا يكون إلّا بعد كشف علمي ومشهد ملكوتي ولا سيما للملامتيين من المشايخ من أهل طريقتنا كشيبان الراعي وأبي يزيد البسطامي ( رضي اللّه عنهم ) ومن ليقنا من المشايخ كالعربي وأحمد المرسي وعبد اللّه البرجاني وجماعة فإذا تخلقت وفقك اللّه بكل ما قصصناه لك في أسمائك اسما اسما وما أشرنا إليه آنفا فيجب عليك إمات للغطي الذي هو أصل الوجود الظاهر والباطن وهو سبب كشف الغطاء عن عين العبد في هذه الدار وهو الجود والكرم والسخاء والإيثار فالجود عطاؤك ابتداء قبل السؤال والكرم عطاؤك بعد السؤال عن طيب نفس لا عن حياة إلّا عن تخلق إلهي وطلب مقام رباني والسخاء عطاؤك قدر الحاجة للمعطي إليه لا غير والإيثار عطاؤك ما أنت محتاج إليه وأعلم أن بالعطاء صحة الخلة على ما قيل لإبراهيم ( ع ) وذلك أن اللّه تعالى أرسل إليه جبريل على صورة شخص فقال يا إبراهيم أراك تعطي الأوداء والأعداء فقال تعلمت الكرم من ربي رأيته لا يضيعهم فأنا لا أضيعهم فأوحى اللّه تعالى إليه أن يا إبراهيم أنت خليلي حقا فإذا صح منك الزهد وكان اللّه الملك وأنت العبد حصلت تحت الملك لا تملك وتيقنت أنك