ابن عربي

267

مجموعه رسائل ابن عربي

والغفلة وما ضاده والذي له من حيث معلومه يكسبه ذلك الشرف فكما أن بعض المعلومات أشرف من بعض كذلك بعض العلوم أشرف من بعض فكثير بين من قام به العلم بأوصاف الحق وأفعاله وبين من قام به العلم بأن زيدا في الدار وخالدا في السوق فكما أنه ليس بين المعلومين مناسبة في الشرف كذلك العلمان فهذا هو الشرف الطاريء على العلم من المعلوم ثم إن اللّه تبارك وتعالى مدح من قامت به صفة العلم واثنى عليه ووصف بها عباده كما وصف نفسه في غير ما موضع من الكتاب العزيز كقوله تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ فأخبر تعالى أن العلماء هم الموجدون على الحقيقة والتوحيد أشرف مقام ينتهي إليه وليس وراءه مقام إلّا التثنية فمن زلت قدمه عن صراط التوحيد رسما أو حالا وقع في الشرك فمن زلت قدمه في الرسمي فهو مؤبد الشقاء لا يخرج من النار أبد لا بشفاعة ولا بغيرها ومن زلت قدمه في الحال فهو صاحب غفلة يمحوها الذكر وما شاكله فإن الأصل باق يرجى أن يجبر فرعه بمن اللّه تعالى وعنايته وليس الفرع كذلك وكقوله جل ثناؤه في صاحب موسى ( ع ) وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً وهو علم الإلهام فالعالم أيضا صاحب إلهام وأسرار وكقوله تعالى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ فالعالم أيضا صاحب خشية وكقوله تعالى : وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ فالعالم أيضا صاحب الفهم عن اللّه بحكم آيات اللّه وتفاصيلها وكقوله تعالى : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فالعالم هو الراسخ الثابت الذي لا تزيله الشبه ولا تزلزله الشكوك لتحققه بما شاهد من الحقائق بالعلم وكقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ فالعلماء هم الذين علموا الكائنات قبل وجودها وأخبروا بها قبل حصول إتيانها وهي الصفة الشريفة التي أخبر اللّه تعالى نبيه محمدا ( ص ) بالزيادة منها فقال تعالى وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ولم يقل له ذلك في غيره من الصفات وإنما أكثرنا بهذا في العلم لأن في زماننا قوما لا يحصي عددهم غلب عليهم الجهل بمقام العلم ولعبت بهم الأهواء حتى قالوا أن العلم حجاب ولقد صدقوا في ذلك لو اعتقدوا أي واللّه حجاب عظيم يحجب القلب عن الغفلة والجهل وأضداده فما أشرفها من صفة حبانا اللّه الحظ الوافر منها وكيف لا يفرح بهذه الصفة ويهجر من أجلها الكونان ولها شرفان كبيران عظيمان الشرف الواحد أن اللّه تعالى وصف بها نفسه والشرف الثاني أنه مدح بها أهل خاصته من أنبيائه وملائكته ثم من علينا سبحانه ولم يزل مانا بأن جعلنا ورثة أنبيائه فيها فقال ( عليه الصلاة والسلام ) العلماء ورثة الأنبياء