ابن عربي

456

مجموعه رسائل ابن عربي

« أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد » « 1 » فنفي تقييده بجهة فوق ، وهو : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى . والذي يجمع بين الآيات والأحاديث : أن يعلم أن العلو له اعتباران : اعتبار إضافي ، واعتبار حقيقي ، فعلو المخلوقات بعضها على بعض ، إنما هو علو إضافي ، لأن ما من مخلوق له جهة علو ، إلّا وهو مستقل بالنسبة إلى مخلوق آخر هو فوقه ، إلى ما يشاء اللّه . وهذا العلو الإضافي قسمان : قسم حسي : وهو المفهوم بالنسبة إلى الجهات المكانية ، المخصوص بالجواهر المفتقرة للحين . وقسم معنوي : وهو المفهوم بالنسبة إلى درجات الكمال العرفاني ، لأرباب القلوب ، أو الكمال الوهمي لأرباب التقوى « 2 » قال تعالى : وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ وقال تعالى : انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا هذا كله في العلو الإضافي . وأما العلو الحقيقي ، فإنما هو للّه سبحانه وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ وعلوه هذا محقق قبل الجهات والأماكن ، مفهوم بدون اعتبار النسب والإضافات ، عام في جميع تجلياته على مخلوقاته بأسمائه وصفاته . وإنما يعرفه ويشهده أرباب البصائر والقلوب ، ولتجلي نور توحيده بعلو فوقيته سبحة ، وله حجاب ، فسبحته « * » صفة القهر ، وحجابه خلوص العبودية ، قال تعالى : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ . تنبيه : إذا أردت أن تتحقق أن فوقيته ليست فوقية مكانية ، وإنما هي الفوقية الحقيقة ، بقهر الربوبية للعبودية ، فتفكر في حديث « 3 » « كان اللّه ولا شيء معه »

--> ( 1 ) ورواه داود ، والنسائي ، والبزار ، عن عبد اللّه بن مسعود ، وبقيته « فأكثروا الدعاء » . ( 2 ) في نسخة لأرباب النفوس . ( * ) بضم السين وسكون الباء ، وفي القاموس وسبحات وجه اللّه : أنواره . ( 3 ) روى البخاري في صحيحه ، في « بدء الخلق » عن عمران بن حصين ، قال : قال رسول اللّه ( ص ) : « كان اللّه ، ولم يكن شيء غيره ، وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شيء ، وخلق السماوات والأرض ، فنادى مناد ذهبت ناقتك يا ابن الحصين ، فانطلقت ، فإذا