ابن عربي

445

مجموعه رسائل ابن عربي

إلى عالم الحس ، ليخف على أمته تلقي ما يلقيه إليهم عند التبليغ . ومنه في البخاري « 1 » [ والترمذي واللفظ له ] عن أبي هريرة ( رضي اللّه عنه ) ، قال : « إذا قضى اللّه في السماء أمر ضربت الملائكة أجنحتها خضعانا لقوله ، كأنها سلسلة على صفوان ، فإذا فزع عن قلوبهم ، قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير » « 2 » وهذا يقتضي : ان هذا الصوت المسموع : صوت أجنحة الملائكة . ولكن في بعض الروايات ما يقتضي نسبته إلى الوحي ، وهو يتخرج على ما قررناه ، لأنه كما أن الوحي سمعه محمد ( ص ) كصلصلة الجرس ، باعتبار قابليته ، فكذلك تسمعه الملائكة كجر السلسلة على الصفوان ، باعتبار قابليتهم ، لا باعتبار نفسه ، وفيه تحقيق : أن أجنحة الملائكة ليست كأجنحة الطير ، وإنما هي صفات روحانية ، كما قاله السهيلي « 3 » وهي قوى تسترسل بها فيما يأذن اللّه تعالى لها من التصريف ، ولهذا جاء ذكر الأجنحة في سياق جعلها رسلا ، قال تعالى : جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ وضربها بها : أعدادها لقبول ما يلقى عليها من روح الأمر ، واسترسالها في تنفيذه ، وكأنه من : ضرب في الأرض إذا سار . والغرض من ذلك كله : التمثيل والتقريب للأفهام .

--> ( 1 ) في صحيح البخاري في « التوحيد » و « التفسير » عن أبي هريرة يبلغ به النبي ( ص ) قال : « إذا قضى اللّه الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله : كأنه سلسلة على صفوان ، ينفذهم ذلك ، فإذا فزع عن قلوبهم ، قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا للذي قال : الحق وهو العلي الكبير » . هذه روايته في التوحيد ، وأكملها في التفسير بقوله : « فيسمعها مسترقو السمع ، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر ، ووصف سفيان بيده ، وفرج بين أصابع يده اليمنى ، نصبها بعضها فوق بعض ، فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه ، وربما لم يدركه حتى يرى بها إلى الذي يليه ، إلى الذي هو أسفل منه ، حتى يلقوها إلى الأرض . وربما قال سفيان حتى تنتهي إلى الأرض ، فتلقي على فم الساحر ، فيكذب معها مائة كذبة ، فيصدق ، فيقولون ألم يخبرنا يوم كذا وكذا فوجدناه حقا : للكلمة التي سمعت من السماء » ا ه مخيون . ( 2 ) ورواه كذلك ابن ماجة . ( 3 ) السهيلي صاحب « الروض الأنف » شرح السيرة النبوية وغيرها ، توفي سنة 581 ، ا ه مخيون .