ابن عربي
431
مجموعه رسائل ابن عربي
وقد جعل اللّه شهوده لأهله مقيدا بحال شهود قيوميته ، قال تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ فنصب قائما على الحال ، والعامل فيه شهد ، والحال ظرف العامل ، فلا يصدق كونهم أولى العلم بشهود التوحيد إلّا في حال شهود قيوميته . فإذا أولنا بنور القيومية : علمت أن الحديث في معناه جاء موافقا للقرآن ، وهو يرجع إلى ما ذكرناه في تأويل اليد صاحبة الميزان التي تقدم ذكرها في الحديث ، ويؤيد كونها صاحبة العدل : أن السياق الذي ذكر فيه وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إلى آخره سياق قيامه تعالى يوم القيامة بفصل القضاء والعدل . فإن قيل : قد سماها باليمين في قوله : وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ واليمين هي صاحبة الفضل المنفقة كما تقدم . قلت : لا تنافي في ذلك ، لأن كلتا يديه يمين . تنبيه : قوله تعالى : مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ أشبه شيء ذكره المفسرون في معنى الطي : أنه بمعنى الاخفاء : أي والسماوات قد خفيت حقائقها في يمينه ، في نور تجليها ، فليس لأهل الموقف سماء نورها ، ويؤيده قوله تعالى : وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها لأهل الموقف إلّا حجاب نوره ، ولا ظل إلّا ظل عرشه ، والطي على هذا موافق لمعنى الكشط في قوله تعالى : وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ « 1 » كشفت وخفيت تحت أشعة أنوار يمينه . وأما استعارة الأنامل والأصابع لها ، فاعلم أن حقيقة ذلك ترجع إلى أنه ما من نور من أنواره تعالى ، إلّا وله حجاب صوري ، يتعرف إلى عباده بواسطته ، بدليل قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية ، فضرب المشكاة والزجاجة والشجرة أمثلة لحجب أنواره الصورية ، وقد قدمنا عند ذكر الصورة ما يفهم به معنى قوله ( ص ) : « فأتاني ربي في أحسن صورة » وأن الصورة التي تجلى لنبيه ( ص ) فيها ، وتجلى فيها بنور يده العليا ، هي صاحبة الأنامل ، وهي ظلة شريعته السمحة ، التي هي أحسن الشرائع ، وحقائق صفاتها كلها متنوعة من روح : « لا إله إلّا اللّه » . فيده العليا هي صاحبة الخير في قوله : بِيَدِكَ الْخَيْرُ وفي قوله :
--> ( 1 ) سورة التكوير ؛ الآية : 11 .