ابن عربي

423

مجموعه رسائل ابن عربي

قوله : « وان تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا » ليس على ظاهره ، لأن قربه سبحانه من العبد بنوره لا يزال ولا تتفاوت درجاته ، وإنما البعد صفة العبد ، وبعده عن اللّه هو حجابه عن شهود قرب اللّه منه ، وشهود قربه على حسب نور الإيمان والاستجابة ، وبهذا يكون تقرب العبد إلى ربه . وأما تقرب الرب إلى العبد فارشاده بنوره لنوره ، وقد جمع اللّه ذلك كله في قوله : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ . تنبيه قوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ « 1 » يدل على أن قربه من عبده سبحانه قرب حقيقي « 2 » مع تعاليه عن المكان لأنه لو كان القرب يراد به قربه بعلمه أو قدرته وصفاته ، لقال : « ولكن لا تعلمون » ونحوه ، فقوله : وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ يدل على القرب الحقيقي المدرك بالبصر ، والبصر لا تعلق لادراكه بالصفات المعنوية ، وإنما يتعلق بالحقائق المرئية ، وكذلك قوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ يدل على ذلك ، لأن ( أفعل من ) تدل على الاشتراك في القرب ، ولا اشتراك بين قرب الصفات وقرب حبل الوريد ، وعلى هذا فالقرب قرب حقيقي روحاني « 3 » ، بدليل قوله تعالى : فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ « 4 » أي من الذين يكشف لهم عن نعيم القرب الرباني فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ « 5 » فجعل قربهم : وجدانهم للروح والريحان ، وقد قريء بضم الراء وفتحها ، وقد تقدم في حقيقة الرؤية ما يكشف عن معنى الإدراك للقرب بالبصر . تبصرة : حكمة مجيء التفضيل لقربه على حبل الوريد : انه تقدم ذكر الوسواس ، ووسواس النفس : من إلقاء الشيطان ، ومجراه الأوردة ، بدليل قوله ( ص ) : « ان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » « 6 » ومجرى الدم هو عروق الأوردة ونحوها ، فنبه بقوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ على أنه أقرب إليه من مجرى الوسواس ، وقلت في ذلك :

--> ( 1 ) سورة الواقعة ؛ الآية : 85 . ( 2 ) وقال ابن كثير في تفسيره : يعني ملائكته أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه . ( 3 ) قوله « روحاني » فسر به ما يقصد فيما سبق ( رحمه اللّه تعالى ) : وبيّن أنه : ليس المقصود به إلتصاق جسم بجسم - تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا - وأوضحه أكثر فيما بعد عند قوله : فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فالمقربون هنا تقريبهم روحاني . ( 4 ) سورة الواقعة ؛ الآيتان : 88 و 89 . ( 5 ) سورة الواقعة ؛ الآيتان : 88 و 89 . ( 6 ) متفق عليه في الصحيحين ، ا ه مخيون .