ابن عربي
420
مجموعه رسائل ابن عربي
بذكره ، كما ثبت في الصحيح : « أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه حين يذكرني » إلى قوله : « وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا » « 1 » وذلك يفهمك ان المتقرب إلى اللّه ، لا يمكن أن يبقى بينه وبينه ذراع ، لأن ذلك الذراع إن كان التقرب به مطلوبا من العبد ، لم يبق بعده مقدار يتقرب اللّه به إليه ، وحينئذ فيستلزم الخلف في وعده ، وهو محال ، وإن كان موعودا به من اللّه : لزم تنجيز وعده ، وتحقيق القرب للعبد ، فلا يبقى بعد ولا دخول إلى النار . فعلم أن ذلك الذراع مخصوص بأهل التقرب إلى الجنة ، التي لا يلزم أن تقرب ممن تقرب إليها ، فافهمه فإنه بديع . « تتمة » قوله في الحديث : « فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي » . إذا أردت تخرجه على ما تقدم ، فمعناه أن العبد إذا ذكر اللّه في سره فذكره له من آيات توحيده المتشابهة ، فلا يزال يذكر ويشهد ذكر نفسه ، حتى ينكشف حجابه كما قدّمناه في حجب الوجه وسبحاته ، فهناك يحترق ذكر العبد المخلوق ، ويتجلى ذكر اللّه لعبده بسبحاته ، فيصير العبد مذكورا واللّه ذاكرا ، وذلك من آيات التوحيد المحكمة ، وهي أم الكتاب ، فلهذا عبر عنها بالنفس ، ونسبت إليه سبحانه في قوله : « ذكرته في نفسي » . قوله : « وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه » ، هذا من باب الترقي من حال الجمع والفناء إلى حال الفرق والبقاء « 2 » وذلك لأن العبد إذا جمعه اللّه عليه بذكره له في نفسه وحده ، أفناه ، فإذا أراد أن يجعله هاديا بعثه لذكر اللّه في الملأ ، فذلك ابقاؤه ، فإذا ذكره : ذكره اللّه في ملأ خير منه .
--> ( 1 ) في صحيح البخار « كتاب التوحيد » يقول اللّه تعالى : أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ، ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة » ا ه مخيون . ( 2 ) قال العارف الكامل : « شيخنا أحمد الصاوي في شرح منظومة الأسماء الحسنى لشيخه الدردير : « الفناء هو استغراق العبد في اللّه حتى لا يشهد سوى ذات اللّه ، ويقال لصاحبه : غريق في بحار الأحدية . والبقاء : هو الرجوع بعد الفناء إلى ثبوت الآثار بشهود ذات وصفات المؤثر فيها ، ويقال لصاحبه : غريق في عين بحر الوحدة .