ابن عربي
418
مجموعه رسائل ابن عربي
هؤلاء الذين عبدوني وعبدوا أمي من دونك و أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ . « تنبيه » : قوله : أَمَرْتَنِي بِهِ ولم يقل أمرت به ، مع أن الأمر بالتوحيد ، ولم يختص به ، بل أمر به جميع الأنبياء ، ولكنه نبه بذلك على سر القدر ، وأن الأمر أمران : أمر حقيقة ، وأمر شريعة . فأمر الحقيقة : هو المشار إليه بقوله تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 1 » وهو متوجه إلى جميع الكائنات ، فما من كفر ولا إيمان إلّا وهو مأمور به - بهذا الاعتبار « * » - لأنه لا يكون إلّا بأمره . وأما أمر الشريعة : فهو الذي ربط به الثواب والعقاب ، وقامت به الحجة لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ « 2 » فمن هذا يفهم السر في قول عيسى أَمَرْتَنِي بِهِ خصصه بالإضافة إليه ، تنبيها على أمر الشريعة ، ولم يقل أمرت : تنبيها على أمر الحقيقة . « إشارة » : بما كان في هذا اشتباه على المحجوبين - من المعتزلة وغيرهم - الذين يقولون : إن كفر العبد منسوب إلى اختراعه ، غير مستند إلى إرادة ربه ، وإلّا لما جاز له أن يعاقبه عليه ، لا جرم بين اللّه جوابهم على لسان نبيه عيسى ( ع ) ، في قوله تعالى : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ « 3 » علل تعذيبه لهم بأنهم عباده ، تنبيها على أن التعذيب لا يحتاج في جوازه عقلا إلى معصية ولا كفر ، ولهذا لم يقل فإنهم عصوك ، وإنما مجرد كونهم عبادا يجوز للمالك أن يفعل بهم ما يشاء . له حق وليس عليه حق * ومهما قال فالحسن الجميل « مناجاة » : إلهي جلت عظمتك أن يعصيك « 4 » عاص أو ينساك ناس ، ولكن أوجبت أوامرك في أسرار الكائنات ، فذكرك الناسي بنسيانه ، وأطاعك العاصي
--> ( 1 ) سورة النحل ؛ الآية : 40 . ( * ) قوله : بهذا الاعتبار موضع لما يقصد الشيخ ( رحمه اللّه تعالى ) إذ الموضوع : يتعلق بالخلق ، والايجاد ، والتقدير وما إلى ذلك ، واللّه أعلم . ( 2 ) حسب حكم الشريعة . ( 3 ) المعبود يفعل في عبده ما يشاء ، لأنه مالكه . ( 4 ) وهذا مفسر لكل ما قاله ( رضي اللّه عنه ) .