ابن عربي
377
مجموعه رسائل ابن عربي
فأقول : « التصديق إنما يتطرق إلى الخبر ، بل إلى المخبر ، وحقيقته : الاعتراف بوجود ما أخبر الرسول ( ص ) عن وجوده ، إلّا أن للوجود خمس مراتب ، ولأجل الغفلة عنها نسبت كل فرقة مخالفها إلى التكذيب . فإن الوجود : ذاتي ، وحسي ، وخيالي ، وعقلي ، وشبهي فمن اعترف بوجود ما أخبر الرسول ( عليه الصلاة والسلام ) عن وجوده بوجه من هذه الوجوه ، فليس بمكذب على الإطلاق » ا ه . الرابع : وقال الشيخ محي الدين في الجزء الخامس من كتابه « مراتب الحروف » : « فاعلم أيها الحميم ، والصفي الكريم : ان المحقق العارف بما تقتضيه الحضرة الإلهية من التقديس والتنزيه ، ونفي المماثلة والتشبيه ، لا يحجبه ما نطقت به الآيات والأخبار في حق الحق تعالى من أدوات التقييد بالزمان والجهة والمكان ، كقوله ( عليه الصلاة والسلام ) للسوداء « أين اللّه ؟ » فأشارت إلى السماء ، فأثبت لها الإيمان » . فسأل ( ص ) بالظرفية عما لا يجوز عليه المكان في النظر العقلي ، والرسول أعلم باللّه ، واللّه أعلم بنفسه . وقال في الظاهر أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ بالفاء وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً - الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى - وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ - ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ، « وكان اللّه ولا شيء معه ، وهو الآن على ما عليه كان » و « يفرح بتوبة عبده » ، و « يعجب من الشاب الذي ليس له صبوة » وما أشبه ذلك من الأدوات اللفظية ، وقد تقرر بالبرهان العقلي : خلقه الزمان والأمكنة والجهات والألفاظ والحروف والأدوات والمتكلم بها والمخاطبين من المحدثات ، كل ذلك خلق اللّه تعالى ، فيعرف المحقق أنها مصروفة إلى غير الوجه الذي يعطيه التشبيه والتمثيل ، وأن الحقيقة لا تقبل ذلك أصلا . ولكن تتفاضل العلماء السالمة عقائدهم من التجسيم ، فإن المشبهة والمجسمة - أرشدهم اللّه - قد يطلق عليهم علماء من حيث علمهم بأمور غير هذه . فتفاضل العلماء في هذا : الصرف عن هذا الوجه الذي لا يليق بالحق تعالى .